تصنيفات

شؤيط الاخبار

ثنائية الإيكولوجيا والباثولوجيا بالحي المحمدي: حين يُجهض سوق الدواجن بالجملة منتزه بشار الخير

*التهامي غباري*

في قلب الحي المحمدي بالدار البيضاء، تتجسد ثنائية الإيكولوجيا والباثولوجيا في أبشع صورها. هي ثنائية تلخص فشل التدبير الحضري: طرف أول يمثله منتزه بشار الخير كوعد بحياة نظيفة، وطرف ثان يجسده سوق الدواجن بالجملة كواقع يومي يفرز التلوث. وبين الطرفين، كانت النتيجة حتمية: الأول يُجهض تحت وطأة الثاني، ويتبدد معه استثمار عمومي بالملايين دُشن رسميا سنة 2024.

 

ولكي تتضح أبعاد هذه الثنائية، لا بد من تعريف طرفيها. الإيكولوجيا في المدن ليست شجرا فقط، بل جودة حياة: هواء نقي، فضاء آمن للأطفال، وبيئة تحترم صحة المواطن. هذا ما أريد لمنتزه بشار الخير أن يكونه. في المقابل، الباثولوجيا حين تسكن المدينة تصبح مرضا حضريا: تلوث، روائح خانقة، مياه آسنة، وحشرات ناقلة للأمراض. وهذا هو التوصيف الدقيق لما يقدمه سوق الدواجن كل يوم.

 

وإذا انتقلنا إلى الطرف الباثولوجي، فالسوق يعد إحدى البؤر البيئية السوداء الأخطر بالدار البيضاء. روائح دماء الدواجن ومخلفاتها وأحشائها المرمية تخنق الأنفاس على مدار الساعة. والأخطر من الرائحة، منظر الدواجن النافقة المتراكمة داخل السوق ومحيطه. هنا تطرح أسئلة لا تحتمل التأجيل: كيف يتم التخلص من هذه النفايات البيولوجية؟ وهل يعقل أن تغيب شروط السلامة الصحية عن فضاء يلامس منتزها للأطفال؟ وأين هي آليات المراقبة البيطرية، والشرطة الإدارية، واللجان المختلطة المنوط بها قانونا حماية الصحة العامة؟ أم أننا أمام بؤرة فوق القانون؟ هذه الدواجن النافقة تتحول إلى وليمة للذباب والحشرات، وتستقطب القطط الضالة وطائر “عوا” القمّامي المعروف بنقله للجراثيم. أما مياه الذبح والترياش الآسنة، فتجعل من محيط المنتزه بؤرة مفتوحة للأوبئة.

 

وعلى النقيض من هذا الواقع، دُشن منتزه بشار الخير سنة 2024 على ستة هكتارات، بحضور والي الجهة محمد امهيدية، ورئيسة الجماعة نبيلة الرميلي، ورئيس المقاطعة يوسف الرخيص، والعامل السابق، والعديد من المسؤولين والمنتخبين. كان الرهان واضحا: خلق رئة للحي، فضاء لممارسة الرياضة بأنواعها، حيث يضم المنتزه ملاعب لكرة السلة وكرة القدم، ومدارات مهيأة للجري، يقصدها المرتفقون يوميا لممارسة أنشطتهم البدنية. فهل انتهى الرهان الإيكولوجي والرياضي إلى مجرد ديكور أخضر محاصر ببؤرة سوداء؟

 

لكن التعارض لا يقف عند الميدان، بل يمتد إلى القانون. فالقوانين المنظمة للصحة والسلامة والبيئة والتعمير تقضي بإبعاد الأنشطة الملوثة عن الأحياء السكنية. بل إن الدستور المغربي يقر في فصله 31 بحق المواطنين في السلامة والعيش في بيئة سليمة، والقانون الإطار للبيئة يلزم السلطات بحماية صحة الإنسان. ومع ذلك، فالسوق لا يكتفي بالجملة، بل يمارس التقسيط والذبح والترياش بعين المكان، مضاعفا المخاطر. والأدهى أن قرارات نقله تكررت لسنوات، آخرها الترحيل نحو منصة حد السوالم، دون تنفيذ. فهل ننتظر كارثة صحية حتى يتحرك الملف من الرفوف إلى الواقع؟

 

أمام هذا الوضع، كانت النتيجة هي الإجهاض الوظيفي للمشروع. المنتزه فقد قدرته على أداء دوره. فرغم استمرار بعض الزوار، أصبح المصابون بالحساسية وأمراض الجهاز التنفسي عاجزين عن ولوجه. ألعاب الأطفال والملاعب الرياضية محاصرة بالروائح والذباب والحشرات، وبآثار السوق المجاور: روائح الدواجن النافقة المتراكمة داخل السوق ومحيطه، وطيور “عوا” والقطط الضالة المتواجدة داخل المنتزه والسوق معا. ويزيد من معاناة المرتفقين غياب مناطق مظللة أو مآوي تحمي من أشعة الشمس الحارقة أو من تساقطات الأمطار، ما يجعل البقاء في المنتزه لساعات أمرا مرهقا، خاصة بالنسبة للأسر والأطفال وكبار السن. وهكذا، تحول الفضاء الذي كان يمكن أن يستقطب الآلاف لممارسة الرياضة والجري إلى مكان دون المستوى المطلوب، واستثمار عمومي يتبدد.

 

ولم يكن هذا الإجهاض خافيا على الساكنة والمجتمع المدني. فالسكان أنهكتهم الشكايات المتكررة لسنوات. ظلوا يراسلون الجهات المعنية ويستغيثون من آثار السوق على صحتهم وصحة أطفالهم. شكاياتهم تؤكد أن الضرر لم يعد يحتمل، وأن جودة الحياة أصبحت حلما مؤجلا. فإلى متى سيظل المواطن يدفع من صحته ثمن أخطاء التدبير، ومن ضرائبه ثمن مشاريع لا يستفيد منها؟

 

وفي هذا السياق، تكفي إطلالة ميدانية على السوق للوقوف على حجم الكارثة. فالوضع قائم ومكشوف أمام الجميع. ومجهودات مقاطعة الحي المحمدي للتنظيم والتنظيف لم تغير جوهر المشكل. السبب واضح: بنية السوق ووظيفته تجعلانه عصيا على الإصلاح. أي ترقيع لا يغير جوهره كبؤرة باثولوجية.

 

ومع ذلك، لا يمكن تجاهل البعد الاجتماعي. فالسوق يشغل مئات الأسر من عمال وباعة وحمالة. وعليه، فنقل السوق ضرورة بيئية وقانونية وصحية، لكن يجب أن تواكبه مواكبة اجتماعية مسؤولة: بدائل اقتصادية منصفة، وإعادة إدماج مهني، وفضاء بديل مهيكل يحفظ كرامة العاملين ويضمن رزقهم في ظروف تحترم القانون والصحة.

 

من كل ما سبق، نحن أمام معادلة مستحيلة: الإيكولوجيا لا تشتغل بجوار الباثولوجيا. بقاء السوق يعني حرمان الساكنة من حق دستوري في بيئة سليمة. ساكنة الحي المحمدي تؤدي الثمن مرتين: من صحتها، ومن ضرائبها التي مولت منتزها لا تستفيد منه.

 

خلاصة القول، إن قضية منتزه بشار الخير تثبت أن كل خطاب إيكولوجي يسقط أمام أول بؤرة سوداء. الحل يتطلب قرارا متكاملا: نقل السوق مع ضمان المواكبة الاجتماعية، احتراما للقانون وحماية للصحة وصونا للحقوق. بدونه، ستنتصر الباثولوجيا على الإيكولوجيا، وسيبقى المنتزه شاهدا على ثنائية كان يفترض أن تتكامل، فانتهت بالإقصاء.

شارك المقال شارك غرد إرسال