التهامي غباري
لا تقاس قوة الأمم بعدد الشهادات، بل بجودة الكفاءات. والامتحان هو الميزان الوحيد الذي يضمن تكافؤ الفرص. لكن ماذا يحدث عندما تتحول قاعة القسم إلى سوق سوداء للأدوات المحظورة؟ عندما يصبح وجود سماعة بحجم حبة الأرز داخل الأذن، أو قلم بكاميرا مصغرة فوق الطاولة، أو هاتف مطفأ داخل الجيب جريمة كاملة الأركان حتى قبل أن يبدأ الغش؟ ألسنا أمام جريمة مكتملة بمجرد التواجد؟
أدرك المشرع المغربي خطورة هذه الظاهرة فجاء بـ القانون رقم 02.13 المتعلق بزجر الغش في الامتحانات المدرسية الصادر بتنفيذ الظهير الشريف رقم 1.16.126 بتاريخ 21 ذي القعدة 1437 الموافق 25 غشت 2016، ونُشر بالجريدة الرسمية عدد 6496 بتاريخ 19 شتنبر 2016.
المادة 3 منه نصت صراحة وبوضوح لا يقبل التأويل على أن “مجرد حيازة المترشح داخل قاعة الامتحان لهاتف نقال أو أي وسيلة اتصال أو تخزين للمعلومات، ولو كان الجهاز مطفأً، تشكل حالة غش قائمة بذاتها”. ركز معي: مجرد الحيازة. أي أن وجود الأداة داخل حرم القاعة، فوق الطاولة، داخل المحفظة، داخل الجيب، داخل الأذن، هو في حد ذاته اعتداء على حرمة الامتحان.
لنرصد العقوبات القانونية الدقيقة حسب القانون 02.13:
1. العقوبة الجنائية: الحبس من شهر واحد إلى ستة أشهر وبغرامة من 5.000 إلى 100.000 درهم لكل من ضبط متلبساً بحيازة أو استعمال وسائل الغش
2. التشديد: ترتفع العقوبة إلى الحبس من 6 أشهر إلى 5 سنوات في حالات التزوير، انتحال الصفة، تسريب المواضيع، أو الاتجار فيها
3. العقوبة التأديبية: إلغاء نتائج الامتحان برسم الدورة المعنية + المنع من اجتياز الامتحانات المدرسية لمدة سنتين دراسيتين متواليتين
ولنقف عند قاعدة قانونية ذهبية يجب أن تُكتب بخط عريض: “القانون لا يعذر أحداً بجهله”. فتبريرك “لم أكن أعرف” أو “لم أستعمله” هو تبرير ساقط قانوناً. فهل بعد هذا النص الواضح وهذه القاعدة الصارمة يبقى مجال للتبرير؟
أما عن الأساليب والأدوات التي أصبح مجرد تواجدها جريمة:
تطورت الوسائل بشكل مرعب. من الكتابة على الطاولات والغش بالنقل من الزملاء والملخصات الورقية الصغيرة المخبأة، إلى الهاتف النقال والسماعات البلوتوث. لكن الأخطر اليوم هو مرحلة الغش الخفي الرقمي: السماعات الدقيقة متناهية الصغر بحجم حبة الأرز داخل الأذن، النظارات الذكية المزودة بكاميرات مصغرة، الأقلام الإلكترونية بكاميرات تصوير، العدسات اللاصقة المطبوعة بحبر خفي، الساعات الذكية التي تخزن آلاف الصفحات، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تعطي الحل في 5 ثوانٍ.
والسؤال الحارق: إذا كان القانون يعتبر مجرد حيازة هذه الأدوات جريمة، فلماذا يدخل بها التلاميذ القاعة؟ والجواب: “القانون لا يعذر أحداً بجهله”. وماذا يعني أن تلميذاً يحمل قلم كاميرا أو سماعة دقيقة؟ يعني أنه هُزم نفسياً قبل أن يبدأ الامتحان. أليست هذه هزيمة قبل أن تكون جريمة؟
خطورة هذه العقلية أنها لا تتوقف عند باب القاعة. فالتلميذ الذي يقبل دخول القاعة بأداة محظورة، سيقبل غداً التوقيع على وثيقة مزورة أو قبول رشوة. فكيف ننتظر من شخص برمج عقله على أن مجرد التواجد بأداة الغش عادي أن يفهم غداً أن مجرد التواجد في مكان الفساد خطأ؟
لنصل الآن للسؤال المركزي: ماذا ننتظر من جيل تربى على الغش؟
الجواب كارثي. المهندس الذي نجح بالغش سيوقع على تصاميم الجسور والعمارات، فهل نأمن على أرواحنا فوق قنطرة أو داخل عمارة صممهما من تربى على الغش؟ الطبيب الذي دخل الطب بالسماعة سيشخص مرضك، فهل نطمئن لحياة بين يدي من تربى على الغش؟ رجل القانون الذي حفظ النصوص بالغش سيحكم في مصير الناس، فهل نرضى بعدالة يصدرها من تربى على الغش؟ والأخطر: الأستاذ الذي نجح بالأدوات المحظورة سيصبح مصنعاً لإنتاج جيل كامل من الحائزين على أدوات الغش. وهكذا نسأل: من سيوقف إنتاج الرداءة إذا كان المربي نفسه تربى على الغش؟
القاعدة واضحة: ما بُني على باطل فهو باطل. الشهادة بالغش شهادة جوفاء، وسوق الشغل يكشف زيفها في أول اختبار حقي. فلماذا نكذب على أنفسنا ونصدق أن من تربى على الغش سيتحول فجأة إلى كفء بعد التخرج؟
القانون 02.13 كان واضحاً: مجرد التواجد جريمة. والقاعدة كانت أوضح: “القانون لا يعذر أحداً بجهله”. ونثمن عالياً المجهودات المبذولة من طرف وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة في تفعيل هذا القانون وتأمين الأجواء الامتحانية. لكن النص القانوني وحده لا يكفي. نحتاج لتربية وتكامل أدوار بين الأسرة والمدرسة والمجتمع لترسيخ قيمة النزاهة: ادخل القاعة بدماغك فقط.
الخلاصة بسؤال أخير: الوطن الآمن هو الوطن الذي تدخل فيه قاعات الامتحان خالية من الأدوات المحظورة. فالاختيار بين قاعة نظيفة ووطن ينهار… أليس هذا الاختيار يبدأ من لحظة التفتيش قبل دخول القاعة، وأنت تتذكر أنك تربيت على النزاهة لا على الغش، وأن القانون لا يعذر أحداً بجهله؟
وبعد هذه الخلاصة العملية يبقى السؤال الأكاديمي الملح: ما ضوابط الزمن التربوي الكفيل بتجاوز هذه الظاهرة؟
ما المدى الزمني اللازم لإحداث قطيعة معرفية وسلوكية مع ثقافة الغش، وبناء عقلية جديدة قائمة على النزاهة والاستحقاق؟ إن الإجابة لا تقاس بالسنوات بقدر ما تقاس بصدق الإرادة المؤسساتية، وبنجاعة السياسات التربوية، وبمدى التزام الأسرة والمدرسة والمجتمع بترسيخ قيمة أن “الوطن لا يُبنى إلا بسواعد أبنائه النزهاء”. فالتغيير الحقي لا يبدأ حين تختفي الأدوات من الجيوب، بل حين تختفي فكرة الغش من العقول. ومتى يحدث ذلك؟ الجواب متوقف على تكامل الجهود بين كل الفاعلين التربويين والمجتمعيين اليوم: إما أن نبدأ الآن بصدق، أو ندفع الثمن أجيالاً.
المراجع
1. القانون رقم 02.13 المتعلق بزجر الغش في الامتحانات المدرسية، ظهير شريف رقم 1.16.126 صادر بتاريخ 21 ذي القعدة 1437 الموافق 25 غشت 2016، الجريدة الرسمية عدد 6496 بتاريخ 19 شتنبر 2016
2. المذكرة الوزارية رقم 15-049 بتاريخ 04 ماي 2015.