تصنيفات

شؤيط الاخبار

من الهامش إلى القمة.. أبطال المغرب في البلياردو يكتبون ملحمة مراكش

جريدة الأخبار60 : فتيحة عزيب،

في مساء السبت 26 سبتمبر 2026، وعلى طاولات مراكش، سجّل المنتخب المغربي للبلياردو واحدة من أجمل صفحاته. هزم منتخب أيرلندا الشمالية بنتيجة 11-9، ورفع كأس بطولة أفريقيا والعالم. نتيجة متقاربة، وقاعة مكتظة، وجمهور حبس أنفاسه حتى آخر فريم. لقب عالمي ثانٍ في تاريخ البلياردو المغربي، بعد لقب 2014. كان على رأس الفريق المدرب ياسر العمراني. ومن بين اللاعبين الذين خطّوا هذا الإنجاز أسماء معروفة في صالات الدار البيضاء ومراكش وغيرهما: عبد الرحمن الشرفي، وأسامة المسكيني، وعامر رياض، وسليمان أوزاويت. لاعبون يجمعون بين التدريب والمنافسة والعمل اليومي، يسافرون ويتنافسون، ثم يعودون إلى حياتهم العادية صباح الاثنين. وهنا تبدأ القصة الحقيقية. على خلاف عدد من المنتخبات المنافسة، أيرلندا الشمالية وويلز وإنجلترا وأستراليا، لا يملك المغرب بنية احترافية متماسكة في هذه الرياضة. لا طاقم دائم يرافق اللاعبين، ولا محضّر نفسي يتابعهم، ولا عقود تسمح لهم بالعيش من البلياردو وحده. يتدربون في المساء أو في عطلة نهاية الأسبوع، ويموّلون جزءاً من معداتهم وتنقلاتهم من جيوبهم، ويبنون مستواهم داخل نوادٍ وجمعيات محدودة الإمكانيات. مسافة شاسعة تفصلهم عن النظام البريطاني، حيث تقوم رياضة الـ8-بال الإنجليزي على دوريات منتظمة ولاعبين شبه محترفين في كثير من الأحيان. ومع ذلك، كان هذا الفريق هو من رفع الكأس. فالبلياردو، في صيغته الجماعية، ليس مجرد رياضة دقة. إنه مجال ذو كثافة ذهنية عالية جداً. كل فريم يطلب تركيزاً متواصلاً: قراءة الطاولة، توقع مسار الكرة البيضاء، اختيار اللحظة المناسبة للهجوم أو الدفاع، والحفاظ في الوقت ذاته على مستوى تنشيط مثالي. الضغط هنا ليس صاخباً ولا انفجارياً. هو تراكمي، صامت، يتسرب فريماً بعد فريم، حتى يختبر أعصاب اللاعب وأعماق صبره. ما جرى في مراكش ينتمي إلى عالم الصلابة الذهنية والتنظيم العاطفي. استطاع اللاعبون المغاربة أن يظلوا داخل منطقة الأداء الأمثل رغم ثقل الرهان. لم يتراخوا حين تقدّموا، ولم يندفعوا بتهوّر حين ضاقت النتيجة. هذا الاستقرار العاطفي تحت الضغط يُعدّ من أبرز علامات الأداء العالي في الرياضات الدقيقة. وأظهروا كذلك مرونة معرفية نادرة. كانوا قادرين على التخلي سريعاً عن خطة لم تعد مجدية، والانتقال إلى أخرى دون تشبث أعمى بالاستراتيجية الأولى. في رياضة تتبدل فيها الطاولة باستمرار، ويمكن للمنافس أن يقلب المعادلة بضربة واحدة، تصبح هذه القدرة على إعادة التقييم والتكيف في اللحظة الحاسمة أمراً جوهرياً. وهناك ما هو أعمق من ذلك. هؤلاء اللاعبون يتحركون بلا شبكة أمان. كل مشاركة دولية تُحضَّر بإمكانيات محدودة، وتنقلات يتحملون جزءاً كبيراً من كلفتها، واستشفاء يعتمد على قدراتهم الذاتية. أن يحافظوا، في ظل هذه الظروف، على مستوى أداء رفيع أمام فرق أكثر تنظيماً، فهذا يكشف عن شكل أصيل من المثابرة: تلك الإرادة والثقة بالموارد الداخلية التي تتجاوز الموهبة التقنية وحدها. المنتخبات الأكثر تنظيماً غالباً ما تتوفر على أدوات جاهزة: روتينات تحضير ذهني، وتحليل فيديو منتظم، ومحضّرين نفسيين. أما المغاربة فقد عوضوا غياب هذه الأدوات بصلابة داخلية تشكّلت في قلب القيود. أثبتوا أن الأداء العالي يمكن أن ينبع أيضاً من بيئة أقل حماية، متى توافرت القدرة الحقيقية على ضبط المشاعر والبقاء صافياً تحت الضغط. هذا اللقب لا يلغي الحاجة إلى هيكلة أفضل للبلياردو المغربي. بل يجعل هذه الحاجة أكثر إلحاحاً ووضوحاً. لكنه يذكرنا، في الوقت ذاته، بحقيقة أساسية: في الرياضات الدقيقة، قد تكون جودة التنظيم العاطفي والمرونة المعرفية كافية، في مساء من أمسيات سبتمبر في مراكش، لتحسم نهائي بطولة عالمية. لم يكن لديهم تقريباً شيء. ففازوا بكل شيء.

شارك المقال شارك غرد إرسال