تصنيفات

شؤيط الاخبار

حينما تصير الملامح محكمة لتحديد الكفاءة وصورة لما في العقول

فتيحة عزيب – أخصائية نفسية إكلينيكية

كلما أُسندت مسؤولية عمومية إلى شخص جديد، تكرّر المشهد ذاته: تنتشر صورته، فينصرف الحديث عمّا سيقدّمه إلى حديثٍ عمّا تبدو عليه سحنته، وكأن الوجه هو الذي سيداوي المرضى، ويبني المدارس، ويستجيب لحاجات الناس. وليس القصد من هذا القول إعفاء المسؤول من المساءلة، فمحاسبته على قراراته ونتائجه حقٌّ للمواطن وواجبٌ عليه، بل القصد التنبيه إلى أن السخرية من الشكل لا تحاسب أحدًا، وإنما تصرف الأنظار عن الأسئلة الجديرة بالطرح: ماذا قدّم؟ وأين أصاب؟ وأين أخفق؟

ولا مراء في أن للصورة الخارجية مكانًا في تقييم الناس، غير أن الإشكال لا يكمن في ملاحظة المظهر، بل في توهّم أنه كافٍ للحكم على قيمة الإنسان وقدرته. فقد يكون المرء أنيقًا دون كفاءة، وقد تجافي ملامحه معايير الجمال السائدة وهو من أرسخ الناس علمًا وأوسعهم خبرة. والكفاءة لا يثبتها المظهر، ولا تضمنها الشهادات وحدها، وإنما يحسمها العمل والنتائج والقدرة على تحمّل التبعات، وهي أمور تتطلب وقتًا وجهدًا في تبيّنها، بينما الانطباع الأول سريع يسبق المعرفة ويغني عنها.

وقد يُعتذر عن هذه السخرية بأنها مجرد مزاح، والحق أن الفكاهة أداة ثقافية قادرة على كشف المفارقات ونقد السلطة وفضح النفاق، بل قد تعالج الكوميديا السوداء موضوعات مؤلمة بجرأة صادمة دون أن تقصد الإهانة. غير أن الجرأة ليست قيمة مطلقة، ولا يكفي الضحك وحده ليمنح النكتة شرعيتها؛ فالفكاهة قد تنتقد قرارًا أو سلوكًا، وقد تجعل من إنسان مادة للتندّر بسبب هيئته. وقد يضحك الجمهور في الحالتين، لكن الأثر الاجتماعي يختلف اختلافًا جذريًا. فالسؤال الأجدر ليس: هل النكتة مضحكة؟ بل: ما الذي كشفته؟ أتناقضًا يستحق النقد، أم انتقاصًا من إنسان لا صلة لمظهره بالمسألة المطروحة؟ وليس في هذا دعوة إلى كوميديا بلا جرأة، ولا إلى اتخاذ الأخلاق ذريعة لكبح النقد المشروع.

ولفهم هذه الظاهرة يمكن الاستعانة بأطر نفسية متعددة، دون ادّعاء أن تفسيرًا واحدًا يحيط بها كلها. فنظرية التفوق، كما صاغها توماس هوبز، ترى أن الضحك ينشأ من شعور مفاجئ بالعلو على ضعف الآخرين، فتغدو السخرية من الهيئة وسيلة رمزية لإنزال الآخر مرتبة أدنى داخل الجماعة. أما التحليل النفسي عند فرويد، في كتابه «النكتة وعلاقتها باللاوعي» (1905)، فيذهب إلى أن النكات العدوانية تتيح تفريغ ميول مكبوتة تحت ستار المزاح، وأن عبارة «إنها مجرد مزحة» كثيرًا ما تُستعمل لتخفيف وطأة العدوان اللفظي. ويفسّر علم النفس المعرفي جانبًا آخر، إذ تدفعنا الانطباعات السريعة والانحيازات الذهنية إلى الانتقال من ملاحظة صفة ظاهرة واحدة إلى تصوّر شامل عن الشخص دون دليل كافٍ. وفي علم النفس الاجتماعي، بيّنت دراسة توماس فورد ومارك فيرغسون (2004) أن الفكاهة المهينة تجاه الجماعات قد تعزز التسامح مع التمييز لدى من لديهم استعداد مسبق له، لأنها تُنشئ مناخًا معياريًا يبدو فيه التعبير عن التحيّز أمرًا مقبولًا. وهذه الدراسة لا تتناول السخرية من الملامح الفردية على وجه التحديد، غير أن آلية «المناخ المتسامح» تعين على فهم كيف يتحول الاستخفاف الجماعي إلى عادة مألوفة.

وليس من الإنصاف اختزال المجتمع كله في سلوك بعض مستخدمي المنصات، فالمجتمعات متنوعة في قيمها وأساليب تعبيرها. لكن من المشروع أن نتساءل عن دور المحيط والإعلام والمنصات الرقمية في منح المظهر وزنًا يفوق قدره، وعن أثر ذلك فيمن يُستهدفون به، وفيمن يتردّدون في الإقدام على الشأن العام خشية أن يُحاكموا بوجوههم قبل أعمالهم. فحين تصبح السخرية من الشكل مدخلًا إلى النقاش العمومي، يضعف الحس الجماعي بالمعايير الحقيقية للحكم.

على أن احترام الإنسان لا يعني تقديسه، ولا ينبغي الخلط بين نقد المسؤول وإهانته، ولا بين حرية التعبير والإعفاء من المسؤولية؛ فالمسؤول الذي يخفق يُحاسَب على إخفاقه أيًّا كان مظهره. وقد لا نملك اختيار ملامحنا، لكننا نملك اختيار المعايير التي نزن بها الآخرين، والكيفية التي نمارس بها حق النقد، ووجهة الفكاهة: أتكشف التناقضات أم تكرّس الإقصاء. والانتقال من مجتمع يكتفي بالصورة إلى مجتمع يبحث عن القيمة لا يقتضي أن نكفّ عن الضحك، بل أن نتعلّم كيف نضحك دون أن تكون كرامة الآخرين ثمنًا للضحكة. فهل يُوثق فيمن يحكم بالملامح أن يميّز غدًا بين من يستحق المسؤولية ومن لا يستحقها؟

شارك المقال شارك غرد إرسال