التهامي غباري
الجزء الأول ساءل الصندوق… الجزء الثاني يسائل منظومة التنفيذ: لماذا تتعثر السياسات العمومية رغم وضوح التوجهات العليا؟!
في الجزء الأول تساءلنا: هل نفكك كمائن الحريفية أم نعيد ربط الخيل؟!
اليوم ننطلق من حقيقتين منفصلتين:
أولاً: الإرادة الملكية
استناداً إلى الفصل 42 من الدستور: جلالة الملك، أمير المؤمنين ورئيس الدولة، هو الضامن لدوام الدولة واستمرارها، والساهر على احترام الدستور، وحسن سير المؤسسات الدستورية. والتوجيهات الملكية السامية كانت ولا تزال واضحة: القطع مع الريع، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتمكين الكفاءات الوطنية.
هذا هو دور المؤسسة الملكية كما حدده الدستور: التوجيه الاستراتيجي للدولة، ورسم معالم المستقبل.
ثانياً: واقع الممارسة السياسية
في المقابل، يقول موروثنا المغربي الأصيل: “الخيل مربوطة والحمير كتبورض”. وهذا المثل الشعبي، الذي ورثناه عن الأجداد، يلخص ببلاغة أزمة حقيقية نعيشها حين نرى الكفاءات مهمشة بينما يتصدر المشهد من لا يستحق.
وبين الحقيقتين، يطرح الدستور المغربي السؤال الجوهري: إذا كانت التوجيهات العليا للدولة واضحة في الدعوة لتمكين الكفاءات، فلماذا يواجه المواطن في الواقع ما يطابق هذا المثل الشعبي؟!
أولا: مسؤولية التنفيذ الدستوري… أين يحدث التعثر؟!
الدستور المغربي، في فصوله 47 و 89، أناط بالحكومة مسؤولية تنفيذ السياسات العمومية. وفي الفصل 7، أناط بالأحزاب السياسية مهمة تأطير المواطنين.
ووفقاً للفصل 88، تعتبر الحكومة مسؤولة عن تنفيذ برنامجها.
وهنا يطرح السؤال الدستوري المشروع: هل الآليات المعتمدة في التنزيل تترجم فعلياً مضمون التوجيهات الملكية السامية الداعية لتمكين الكفاءات، أم أن هناك اختلالات تؤدي إلى نتائج تعاكس هذا التوجه؟!
ثانيا: قراءة في الاختلالات على ضوء الموروث والدستور
التوجيهات الملكية السامية دعت إلى اعتماد “الكفاءة” و”الاستحقاق” كمعيار.
وفي المقابل، فإن الممارسة تكشف عن بعض المظاهر التي تذكرنا بتحذير الموروث الشعبي:
1. في التزكية الحزبية: الفصل 7 من الدستور يعتبر الأحزاب أداة للتأطير. وتفعيل هذا الدور يقتضي أن تكون معايير منح التزكيات منسجمة مع روح الدستور ومع التوجيهات العليا.
2. في الحكامة الإدارية: الفصل 154 من الدستور ينص على جودة المرافق العمومية. والتوجيهات الملكية تحث على “تسهيل الاستثمار”. فلماذا ما زال بعض المبادرين يواجهون تعثراً في ملفاتهم؟!
3. في الخطاب السياسي: التوجهات العليا تدعو النخب للانخراط. بينما يساهم بعض الخطاب في تبخيس العمل السياسي، مما ينفر الكفاءات ويترك الساحة لغيرها.
هذه ليست اتهامات، بل تساؤلات مشروعة تندرج في إطار الحق الدستوري في تقييم نجاعة السياسات العمومية.
ثالثا: مسؤولية الكفاءات الوطنية… واجب دستوري
الفصل 31 من الدستور يكفل للمواطنين الحق في المشاركة في الشأن العام.
والتوجيهات الملكية السامية ما فتئت تدعو الكفاءات الوطنية إلى تحمل مسؤوليتها في تدبير الشأن العام.
إن عزوف الكفاءات عن المشاركة يتعارض مع روح الدستور القائمة على الديمقراطية التشاركية، ويترك فراغاً لا يخدم المصلحة العليا للوطن.
الدستور فتح الباب، والتوجيهات العليا شجعت على ولوجه… فالمسؤولية اليوم مشتركة.
رابعا: الحل الدستوري… تفعيل ربط المسؤولية بالمحاسبة!
الحل يكمن في التطبيق السليم للدستور، الذي يعتبر أسمى تعبير عن إرادة الأمة.
1. تفعيل الفصل الأول: عبر المحاسبة الفعلية للمسؤولين عن مدى التزامهم بتنزيل البرامج بروح التوجيهات العليا.
2. تفعيل الفصل 27: عبر ضمان الحق في الحصول على المعلومة، بما يعزز الشفافية.
3. تفعيل الفصل 31: عبر تشجيع الكفاءات الوطنية على ممارسة حقها الدستوري في المشاركة.
الخلاصة: الدستور أطر، والتوجيهات وجهت، والموروث حذر… فأين الفعل؟!
إن الدستور وضع الآليات، والتوجيهات الملكية السامية رسمت الهدف، وموروثنا الشعبي نبه إلى المخاطر.
المؤسسة الملكية، وفق منطوق الدستور، تضمن حسن سير المؤسسات.
والأحزاب والحكومة والإدارة، وفق نفس الدستور، مسؤولة عن الترجمة الفعلية لهذه التوجيهات على أرض الواقع.
إما أن يتحمل كل واحد مسؤوليته الدستورية في تمكين الكفاءات الوطنية، في احترام تام للتوجيهات الملكية السامية…
وإما أن نستمر في هدر زمن التنمية.
والسؤال الموجه لكل مؤسسة ولكل فاعل سياسي: هل سنكون في مستوى اللحظة التاريخية التي أطرها الدستور وحددتها التوجيهات العليا؟!