تصنيفات

شؤيط الاخبار

هل مجلس المنافسة مختص في إبداء الرأي بخصوص مشروع قانون مهنة المحاماة؟

طبيح عبد الكبير

استوقفني تعدد التدوينات والكتابات والآراء التي انخرطت فيها المحاميات والمحامون حول خبر تقديم طلب لمجلس المنافسة بخصوص مشروع قانون مهنة المحاماة، وتقديم طلب للبرلمان من أجل تأجيل التصويت على المشروع. وهي مبادرة جد مهمة تترجم حيوية الجسم المهني وانشغاله بكل ما له علاقة بمهنته، لذلك فإن الانخراط في هذه المساهمات يصبح ضرورة من أجل إثراء النقاش الجاد من جهة، لكون صوت نساء ورجال هذه المهنة صوت مسموع من جهة أخرى.

إنه إلى حدود كتابة هذه المقالة لا أعرف موضوع الطلب الذي قد يكون قُدم لمجلس المنافسة، ولا السؤال الذي يرجى من هذا المجلس تقديم رأيه بخصوصه، لذلك سأستعمل أسلوباً بصيغة افتراض وجود الطلبين المشار إليهما أعلاه، لنبحث عن جواب على سؤال هذه المقالة.

من المعلوم أن اللجوء إلى مجلس المنافسة ليس مفتوحاً لجميع الأشخاص الذاتيين أو الأشخاص الاعتباريين، كما أن الطلب الذي يُقدم لهذا المجلس ليس طلباً مفتوحاً على جميع المواضيع، بل إن القانون حدد الجهات التي يحق لها أن تلجأ إلى مجلس المنافسة لتطلب رأيه أو استشارته أو توصيته، كما حدد لهذه الجهات موضوع الطلب الذي يمكن لها أن تقدمه لهذا المجلس.

ومن المفيد التذكير بكون مجلس المنافسة أحدث بمقتضى المادة 15 من القانون 06.99 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة، وهو القانون الذي ينظم الأحكام المطبقة على حرية الأسعار وتنظيم المنافسة الحرة من أجل تنشيط الفاعلية الاقتصادية وضمان الشفافية والنزاهة في العلاقات التجارية، وفقاً للمادة 14 منه. وبالرجوع إلى المادة 15 من القانون 06.99 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة يتبين منها أنها حددت بشكل حصري الجهات التي يحق لها تقديم الطلبات إلى مجلس المنافسة، كما حددت موضوع تلك الطلبات لكي تكون مقبولة من طرف ذلك المجلس.

فأولى هذه الجهات هي اللجان الدائمة بالبرلمان بخصوص مقترحات القوانين المتعلقة بحرية المنافسة، ويتبين من المادة 15 المشار إليها أعلاه أن اللجان الدائمة بالبرلمان لا تملك إحالة مشاريع القوانين التي تقدمها الحكومة إلى مجلس المنافسة، بل حصرت حق اللجان الدائمة فقط في مقترحات القوانين، أي تلك التي يتقدم بها عضو أو أكثر من أعضاء البرلمان من جهة، وأن يكون مقترح القانون يتعلق بحرية المنافسة من جهة ثانية، بينما المقتضيات المتعلقة بمهنة المحاماة منظمة بمقتضى مشروع قانون صادر عن الحكومة.

والجهة الثانية هي الحكومة في كل ما يتعلق بالمنافسة، ويتبين من صياغة المادتين أن اختيار الحكومة للجوء إلى مجلس المنافسة يجب أن يتم قبل إحالة مشروع القانون على البرلمان وقبل إصدار النص التنظيمي أي المرسوم، بينما مشروع قانون المهنة أُحيل على مجلس النواب الذي صوت عليه وهو الآن محال على مجلس المستشارين للدراسة والتصويت عليه.

أما الجهة الثالثة فهي مجالس الجهات والمجموعات الحضرية وغرف التجارة والصناعة والخدمات وغرف الفلاحة وغرف الصناعة التقليدية وغرف الصيد البحري والمنظمات النقابية والمهنية وجمعيات المستهلكين، لكن يجب أن يكون الطلب المقدم لمجلس المنافسة محصوراً في حدود المصالح المنوطة بهذه المجالس، أي في حدود مهامها المحدد لها بمقتضى القانون المحدث لها.

والجهة الرابعة هي المحاكم المختصة في شأن الممارسات المنافية لقواعد المنافسة المثارة في القضايا المعروضة عليها، أي ليس كل المحاكم يمكنها تقديم الطلب لمجلس المنافسة وليس في كل القضايا المعروضة على تلك المحاكم.

وبالرجوع إلى المادة 5 من القانون 20.13 المنظم لمجلس المنافسة يتبين منها أنها هي كذلك تنص على نفس الجهات وعلى نفس نوعية الطلبات التي يتم تقديمها لمجلس المنافسة.

وينبني مما سبق أن مجلس المنافسة لا يمكنه أن يقبل طلب إبداء الرأي أو إعطاء استشارة أو تقديم توصية بخصوص مشروع قانون مهنة المحاماة، لأن الطلب لم يُقدم له من قبل الحكومة من جهة أولى، ولأن الطلب لم يُقدم له من قبل اللجان الدائمة للبرلمان لأن الأمر يتعلق بمشروع قانون وليس بمقترح قانون من جهة ثانية، ولأن أي طلب لم يُقدم له من طرف المجالس المذكورة أعلاه لأنه لا يدخل في مهام أو اختصاص أي منها التدخل فيما يتعلق بمهنة المحاماة، خصوصاً وأن المادة 15 والمادة 5 المشار إليهما أعلاه حصرتا مجال تدخل هذه المجالس في مسألة مبدئية أي قضية عامة، وليس قضية بعينها، وأن تكون تلك المسألة تتعلق بالمنافسة وحرية الأسعار من جهة ثالثة.

وبالرجوع إلى ما تم تداوله من أخبار بخصوص وجود طلب مقدم لمجلس المنافسة يتعلق بمعرفة رأيه بخصوص شروط الولوج لمهنة المحاماة، فإن هذا الطلب لا يمكن قبوله من طرف مجلس المنافسة لأنه لا يدخل في اختصاص أي جهة من الجهات المشار إليها أعلاه، كما أن موضوع ذلك الطلب لا علاقة له بحرية الأسعار والمنافسة ذات الطبيعة التجارية وهي التجارة التي يمنع على المحامي ممارستها.

لكن قد يرد على الموقف بأن مجلس المنافسة سبق له أن أعطى رأيه في مهنة يمنع على المنتمين لها ممارسة التجارة وهي مهنة الموثقين، وبالتالي ما المانع في عدم مطالبة مجلس المنافسة بإبداء رأيه بخصوص مهنة المحاماة. إن الجواب على هذا التساؤل نجده في صلب الرأي الذي قدمه مجلس المنافسة بخصوص مهنة التوثيق، وهو الرأي الذي يحمل المراجع التالية 03-ر-2019 والمنشور في الجريدة الرسمية بتاريخ 13/02/2020.

وبالرجوع إلى ذلك الرأي نجده يتميز وينفرد بخصائص لا تتوفر في مشروع قانون مهنة المحاماة، وهي الخصائص التالية: أولاً أن طلب الرأي بخصوص مهنة الموثقين تقدمت به الحكومة، وهي الخاصية التي لا تتوفر في الطلب الذي قد يكون قدم لمجلس المنافسة بخصوص مشروع قانون مهنة المحاماة، لأنه حسب ما هو متوفر من معلومات فإن الحكومة لم تتقدم بأي طلب لمجلس المنافسة بخصوص أي مقتضى من مقتضيات مشروع قانون مهنة المحاماة. ثانياً أن الحكومة تقدمت لمجلس المنافسة بطلب رأيه في مشروع مرسوم وليس في مشروع قانون من جهة، وقبل إصدار ذلك المرسوم وليس بعد أن أحالت مشروع قانون مهنة المحاماة على مجلس النواب وتصويت هذا المجلس عليه من جهة أخرى. ثالثاً أن الحكومة طلبت رأي مجلس المنافسة في مشروع مرسوم يتعلق بأتعاب الموثقين وفقاً للمادة 15 من القانون المتعلق بالموثقين الذي ينص على أن أتعاب الموثقين تحدد بنص تنظيمي أي بمرسوم، ولم تطلب رأيه بخصوص شروط الولوج لمهنة التوثيق.

ومن الملفت للنظر في رأي مجلس المنافسة المذكور أنه تناول شروط الولوج إلى مهنة التوثيق في الفقرة الثالثة منه تحت عنوان “تقديم مهنة التوثيق”، لكنه لم يبد بشأنها أي رأي أو استشارة أو توصية، بل أبدى فقط رأيه في تحديد سقف أتعاب الموثق وذكر كذلك بعدم النزول عن التكاليف الحقيقية لإنجاز عمل الموثق.

والخلاصة مما سبق هي أن مجلس المنافسة لا يُقدم له طلب إبداء الرأي والاستشارة أو التوصية بخصوص مشروع قانون صوت عليه مجلس النواب وهو الآن معروض على مجلس المستشارين، ولا إمكانية لا دستورية ولا قانونية تمكن مجلس المنافسة من توجيه طلب إلى مجلس المستشارين ليوقف دراسته لمشروع قانون أحاله عليه مجلس النواب، وأن مجلس المنافسة لم يؤهله القانون لكي يفحص شروط الولوج لأي مهنة كيفما كانت، وبالخصوص مهنة المحاماة لكون تحديد تلك الشروط هي من مجال القانون الذي يعود الاختصاص في وضعه إلى كل من الحكومة والبرلمان، وليس لمجلس المنافسة.

شارك المقال شارك غرد إرسال