التهامي غباري،
تحل في العشرين من يونيو 2026 الذكرى الخامسة والأربعون للأحداث التي هزت الدار البيضاء في صباح السبت 20 يونيو 1981، حين تحول إضراب إنذاري عام دعت إليه الكونفدرالية الديمقراطية للشغل إلى مواجهة دموية غير مسبوقة. كان الإضراب رداً مباشراً على الزيادات التي أقرتها الحكومة في 28 ماي السابق وطالت الدقيق بنسبة 40 في المائة، والسكر 50 في المائة، والزيت 28 في المائة، والحليب 14 في المائة، والزبدة 76 في المائة. جاءت تلك القرارات في سياق أزمة مالية خانقة وعجز مزمن في الميزانية، وبتوجيه صريح من المؤسسات المالية الدولية التي فرضت على الحكومة المغربية وصفة تقشفية تجاهلت الأثر المباشر على القدرة الشرائية للطبقات الشعبية والمتوسطة.
استهل يوم 20 يونيو بهدوء لافت، وبدت شوارع الدار البيضاء خاوية في تعبير احتجاجي سلمي ومنضبط ضمن الإطار القانوني للإضراب. غير أن تدخل السلطات العمومية لإجبار عمال النقل الحضري على استئناف العمل قسراً، وتسليم حافلات النقل لأشخاص لا صلة لهم بالقطاع، وفرض فتح المحلات التجارية والمقاهي ومحطات الوقود تحت التهديد، قلب معادلة الاحتجاج. فانتقل الغضب من إطار المطلب النقابي المحدد إلى تعبير شعبي عارم عن الاحتقان المتراكم ورفض منطق الإرغام. امتدت التظاهرات إلى مختلف أحياء المدينة، وواجهتها الأجهزة الأمنية بقوة مفرطة شملت استخدام الرصاص الحي، فسقط مئات القتلى وآلاف الجرحى، وامتلأت السجون بالمعتقلين، وحُفرت مقابر جماعية طمرت معها حكايات عائلات كاملة.
لم يقتصر رد الدولة على الفضاء العام، بل طال القيادات التي اعتبرت مسؤولة عن تأطير الاحتجاج. اعتُقل من الكونفدرالية الديمقراطية للشغل الكاتب العام نوبير الأموي وأعضاء المكتب التنفيذي عبد الرحمان شناف والكبير لبزاوي ومحمد لمراني، ومن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية محمد كرم ومصطفى القرشاوي. ورافقت الاعتقالات حملة إغلاق للمقرات النقابية ومنع جريدة “المحرر” من الصدور، في محاولة لمصادرة الرواية المغايرة وتوحيد السرد الرسمي.
بعد خمسة وأربعين عاماً، لا يمكن اختزال 20 يونيو 1981 في مجرد رقم في سجل الضحايا. فالحدث كشف مبكراً أن أي تدبير اقتصادي يتجاهل البعد الاجتماعي والسياسي محكوم بالفشل، وأن القوة الأمنية قد تحسم المواجهة لحظة لكنها تترك شرخاً عميقاً في العلاقة بين الدولة والمواطن. واليوم، إذ نستحضر هذه الذكرى الدموية، تفرض المساءلة ضرورة القطع مع منطق الوصفة التقنية المعزولة، وبناء السياسات العمومية على أسس الإنصاف واحترام الكرامة، وإشراك المواطن عبر مؤسسات تمثيلية شفافة وخاضعة للمساءلة، والقطع النهائي مع الفساد الذي يحول ثروة الوطن إلى امتياز لفئة ضيقة. رحم الله شهداء 20 يونيو 1981، وكل من قضى في مسيرة المغاربة الطويلة نحو العدالة والكرامة.