تصنيفات

شؤيط الاخبار

“الهروب الكبير” يتكرر في عهد “الحكومة الاجتماعية”… فهل أصبح الوطن مجرد محطة عبور؟

جريدة الأخبار60،

“الهروب الكبير” ليس الفيلم الشهير للمخرج جون ستورجيس عن جنود الحلفاء الذين حفروا الأنفاق للهروب من معسكر ألماني خلال الحرب العالمية الثانية بحثاً عن الحرية. في المغرب عِشنا “هروباً كبيراً” من نوع آخر، وأبطاله ليسوا جنوداً أسرى، بل شباب وعائلات بأكملها شدوا الرحال نحو الفنيدق على أمل عبور السياج أو البحر نحو سبتة ومنها إلى الضفة الأوروبية بأي وسيلة ومهما كان الثمن.

وللتذكير فهذا ليس المشهد الأول. نفس الصورة تكررت سابقاً في الفنيدق وفي مدن ساحلية أخرى. موجات جماعية، عائلات فيها أطفال ونساء وشيوخ، كاميرات توثق، تصريحات تُطلق، ثم يعود الهدوء إلى أن تنفجر الموجة من جديد. إنها صورة تختزل مفارقة مؤلمة: حين يتحول الوطن من فضاء للأمل إلى مجرد محطة عبور نحو المجهول.

الغريب أن هذا المشهد تزامن مع احتفال المغرب بالذكرى 27 لعيد العرش، وبالضبط في شمال المملكة. احتفالات بالولاء والتجديد، وفي المقابل شباب وعائلات تختار البحر كطريق للخروج. مفارقة تطرح أسئلة أكبر من مجرد هجرة غير نظامية.

عندها لم يعد السؤال مقتصراً على لماذا يهاجر الشباب، بل أصبح: لماذا فقد الثقة في المستقبل هنا؟ لماذا ترى أسرة كاملة أن مستقبلها قد يكون خلف الحدود لا داخل الوطن؟ الأجوبة معروفة وموجعة: انسداد آفاق الشغل، وارتفاع كلفة المعيشة، واستحالة بناء مشروع حياة كريم.

والمفارقة أن كل هذا يحدث في عهد “الحكومة الاجتماعية” كما تسمي نفسها. حكومة رفعت شعارات العدالة الاجتماعية وتقليص الفوارق والإنصاف. وهنا يبرز السؤال الجوهري: أين تتجلى آثار هذه السياسات في الحياة اليومية للمواطن؟ وكيف يمكن قياس نجاحها إذا كان جزء من الشباب لا يرى مستقبله إلا خارج الوطن؟

لا أحد ينكر أن المغرب حقق خلال السنوات الأخيرة إنجازات مهمة في البنيات التحتية والاستثمارات الكبرى، من طرق سيارة وموانئ وقطارات ومشاريع استراتيجية. غير أن قيمة هذه الإنجازات لا تُقاس بحجمها فقط، بل بمدى انعكاسها على حياة المواطنين، وخاصة الفئات الهشة والشباب الباحثين عن فرصة. فالتنمية تكتمل عندما تمنح المواطن أملاً حقياً في الغد، لا عندما تجعله يفكر في المغادرة.

لقد كان أبطال الفيلم يحفرون الأنفاق هرباً من الأسر سعياً إلى الحرية، أما شباب اليوم فيحاولون اختراق البحر والأسلاك سعياً إلى فرصة عمل وكرامة في العيش وأمل في المستقبل. إن “الهروب الكبير” الحقي ليس عبور الحدود، بل هروب الأمل من قلوب الشباب. وعندما يصبح الرحيل مشروعاً جماعياً ويتكرر للمرة الثانية والثالثة، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل الجميع ليس فقط كيف نمنع الهجرة، بل كيف نجعل البقاء في الوطن خياراً يبعث على الثقة والأمل.

واليوم، وفي هذا التوقيت بالذات، السؤال المطروح مباشرة على “الحكومة الاجتماعية” هو: *ماذا أعددنا لشباب اليوم حتى لا يتكرر الهروب؟*

الأمر يبقى غير مفهوم ويثير الكثير من التساؤلات. كيف نفهم أن شاباً يغادر وطناً يبني الموانئ الكبرى وهو لا يجد فرصة أمامه؟ وكيف نفهم أن عائلة تختار المخاطرة في بلد يحتفل بعيد العرش ويرفع شعارات العدالة الاجتماعية؟ ما لم نجب عن هذه الأسئلة ونبدأ بالإصلاح من القاعدة، سنبقى نعيش نفس المشهد ونكتب نفس المقال.

شارك المقال شارك غرد إرسال