التهامي غباري،
خصص دستور المملكة لسنة 2011 الباب الرابع للسلطة التشريعية والباب التاسع للجماعات الترابية، في فصل واضح للاختصاصات. غير أن ما فصله الدستور، تعيد بعض الممارسات الانتخابية خلطه مع اقتراب استحقاقات 23 شتنبر 2026.
فالمتأمل في المشهد يلاحظ أن عددا من المرشحين للبرلمان يستغلون عدم إلمام شريحة من المواطنين بالقوانين المنظمة، فيمررون معطيات ومغالطات عبر تقديم مشاريع للقرب، كتعبيد الأزقة والإنارة العمومية والمساحات الخضراء والأسواق النموذجية والنقل الحضري، على أنها حصيلة برلمانية، والحال أنها مشاريع ممولة من أموال دافعي الضرائب ولها مساطرها ومسؤولوها القانونيون.
وحتى لا يقع المواطن ضحية هذا الالتباس، وجب التذكير بالمرجعيات:
أولا: المنتخب البرلماني الذي مارس ولاية سابقة
إن الفصل 60 من الدستور ينص على أن البرلماني يستمد نيابته من الأمة، ويحدد الفصل 70 دوره حصرا في التشريع والتصويت على القوانين والميزانية ومراقبة عمل الحكومة. لذلك فإن المساءلة يجب أن تنصب على الحصيلة نفسها. وعليه هو أن يقدمها ويدافع عنها. كم سؤالا كتابيا وشفويا طرح؟ وما طبيعة تلك الأسئلة؟ وما القوانين التي اقترحها أو صوت عليها؟ وما حضوره وأدواره داخل اللجان الدائمة؟
ثانيا: المرشح الجديد الذي لم يسبق له ولوج البرلمان
هذا المرشح لا يساءل عن حصيلة لم تتحقق بعد، بل عن رؤية ومشروع تشريعي. وبما أن جوهر العمل البرلماني هو التشريع، فإن المطلوب منه أن يقدم وجهة نظره في القضايا الكبرى التي تشغل المواطن المغربي، في الصحة والتعليم والتشغيل والقدرة الشرائية والسكن والنقل، وأن يوضح ما هي الحلول التشريعية التي يقترحها، وما القوانين التي يعتزم المبادرة بها، وما محاور مساءلته للحكومة.
ثالثا: صاحب المشاريع المحلية
حددت القوانين التنظيمية صاحب كل مشروع حتى لا تختلط الأدوار. فالقانون التنظيمي 113.14 ينص على أن مشاريع مجلس الجماعة، ومثال ذلك مجلس جماعة الدار البيضاء، هي من اختصاص رئيس مجلس الجماعة، وأن مشاريع مجلس المقاطعة هي من اختصاص رئيس مجلس المقاطعة. وينص القانون التنظيمي 111.14 على أن مشاريع مجلس الجهة، ومثالها جهة الدار البيضاء سطات، هي من اختصاص رئيس مجلس الجهة. أما القانون التنظيمي 112.14 فينص على أن مشاريع مجلس العمالة هي من اختصاص رئيس مجلس العمالة. وإن كان للبرلماني حق الترافع السياسي، فإن التنفيذ والتعاقد وصرف الميزانية يبقى حصرا من اختصاص رئيس المجلس الترابي المعني طبقا للقوانين التنظيمية، ولا يمكن احتسابه كمنجز برلماني، ويأتي في الأخير تفاديا لأي خلط.
رابعا: في من له مصلحة في الخلط
إذا كان الدستور والقوانين التنظيمية قد وزعت الاختصاصات بهذا الوضوح، فمن المستفيد من هذا الخلط المقصود؟ ومن له مصلحة في أن يبقى الناخب غير مميز بين دور البرلماني ودور المنتخب الترابي؟ أليس من الأسهل انتخابيا التهرب من سؤال التشريع والرقابة، لكونه سؤالا معقدا، وتعويضه بسؤال التبليط والإنارة لكونه جذابا ومباشرا؟
إن الغاية من هذا المقال ليست الدخول في صراع انتخابي، بل تنوير الرأي العام حتى لا يتم توظيف عدم المعرفة القانونية لتضليل الناخب. فالمواطن اليوم لم يعد يريد صور الأزقة المعبدة، بل يريد أن يعرف من شرع له قانونا يحمي قدرته الشرائية، ومن دافع عنه تحت قبة البرلمان، وأن يحاسب كل منتخب على أساس اختصاصه الحقيقي.