جريدة الأخبار 60،
واخيرا ساكنة الحي المحمدي ومعها الدار البيضاء كلها على موعد مع استعادة جزء مهم من ذاكرتها. فبعد أكثر من عقدين من الإغلاق والإهمال، تستعد “المجازر القديمة” للخروج من سباتها عبر مشروع تهيئة شامل بغلاف مالي يناهز 160 مليون درهم، يروم تحويلها من معلمة تاريخية مغلقة إلى قطب ثقافي وإبداعي مفتوح على المدينة.
المشروع الذي تمت المصادقة على ملامحه الأولى سنة 2024، عاد إلى الواجهة مؤخرا بصيغة محينة همّت بالأساس الجانب المالي والتدبيري. فوفق الاتفاقية الجديدة تتوزع كلفة 160 مليون درهم بين عدة مؤسسات: وزارة الداخلية عبر المديرية العامة للجماعات الترابية ووزارة الشباب والثقافة والاتصال تخصصان 40 مليون درهم لكل منهما، بينما يساهم مجلس جماعة الدار البيضاء بـ50 مليون درهم، ومجلس عمالة الدار البيضاء بـ20 مليون درهم، ومجلس جهة الدار البيضاء سطات بـ10 ملايين درهم.
وعلى مستوى التنفيذ، انتقلت مهمة الإشراف من شركة “الدار البيضاء للتراث” إلى شركة “الدار البيضاء للتهيئة”، في خطوة تهدف إلى تسريع وتيرة الأشغال وتفادي التعثرات الإدارية التي أخرت انطلاق مشاريع مماثلة في المدينة.
تعود “لاباطوار” في شكلها المعماري الحالي إلى سنة 1922، وتمتد على مساحة تقارب 5.5 هكتارات. لم تكن مجرد فضاء مرتبط بوظيفة الذبح والتخزين، بل كانت جزءا من التحول العمراني الذي عرفته الدار البيضاء خلال القرن العشرين. هندستها جمعت بين روح العصر آنذاك وبين عناصر مستوحاة من الخصوصية المحلية، ما جعلها شاهدة على مرحلة كاملة من تاريخ المدينة. وظلت تشتغل إلى غاية 2002، تاريخ نقل نشاط الذبح إلى مجزرة حديثة، لتدخل بعدها في مرحلة طويلة من التراجع. لكن تصنيفها ضمن القائمة الوطنية للمعالم التاريخية أنقذها من الاندثار وأكد على قيمتها الرمزية.
ولم يتوقف الأمر عند الحماية. فمنذ 2008 بدأ الحديث عن إعادة توظيف الموقع، وتجسد ذلك فعليا سنة 2009 مع انطلاق تجربة “المصنع الثقافي للمجازر”. تلك التجربة فتحت أبواب المكان أمام المسرح والموسيقى والتشكيل، وأثبتت أن “لاباطوار” قادرة على استيعاب الحياة الثقافية رغم وضعيتها المتدهورة، وأن لها قابلية للتحول من فضاء متوقف إلى فضاء حي للإبداع.
اليوم لا يتوقف مشروع التهيئة عند ترميم الجدران. التصور الجديد يشمل إعادة تأهيل الواجهة الرئيسية للموقع وتهيئة الفضاءات العمومية والمرافق الداخلية، بما يسمح بإعادة إدماجه في النسيج الحضري للحي المحمدي. الهدف هو فتح الموقع أمام أنشطة ثقافية وفنية وتراثية قارة، والاستفادة من رمزيته التاريخية لتعزيز جاذبية المنطقة ومنح ساكنة الحي متنفسا يليق بتاريخهم.
الرهان الآن لم يعد على فكرة المشروع في حد ذاتها، فتلك حسمت. الرهان الحقي هو الانتقال من منطق الاتفاقيات إلى أرضية الأشغال الفعلية، ومنطق الحفاظ على التراث إلى منطق تثمينه وتوظيفه. فنجاح “لاباطوار” الجديدة سيقاس بقدرتها على أن تكون فضاء للجميع، يربط بين ماضي المدينة وحاضرها الثقافي، ويمنح الدار البيضاء معلمة حية بدل بنايات شاهدة على زمن مضى.
بعد أكثر من 100 عام على بنائها، يبدو أن “المجازر القديمة بالحي المحمدي” تستعد لكتابة فصل جديد. فصل لا يتحدث عن الماضي فقط، بل عن المستقبل الذي يمكن أن يولد من رحم الذاكرة.