يُعتبر المركزان السوسيو-رياضيان بالحي المحمدي وعين السبع من أبرز المرافق العمومية للقرب بعمالة مقاطعات عين السبع الحي المحمدي بالدار البيضاء، وقد أُنجزا في إطار المشاريع الملكية الرامية إلى تأهيل البنيات الرياضية والاجتماعية بالمنطقة. المركب السوسيو-رياضي بالحي المحمدي، الواقع بشارع جعفر البرمكي قرب المجازر القديمة، حظي بشرف تدشين ملكي من طرف جلالة الملك محمد السادس بتاريخ 30 يناير 2013، فيما يندرج المركز السوسيو-رياضي بعين السبع ضمن نفس الرؤية الملكية لتقريب الخدمات من الشباب وامتصاص الخصاص المهول في المرافق. المرفقان اللذان يدخلان ضمن الملك العام لجماعة الدار البيضاء، يضمان قاعات مغطاة متعددة الرياضات وملاعب للقرب وفضاءات للتكوين، وصُمما ليشكلا فضاءين متعددي الوظائف يهدفان إلى احتضان أنشطة رياضية وتكوينية وتحسيسية موجهة للشباب، بما يضمن استمرار خدمتها للمصلحة العامة وتحقيق أهدافها الأصلية.
غير أن هذا المسار اصطدم مؤخراً بإشكالية تدبيرية عميقة، تمثلت في إسناد التسيير للمرفقين لجمعيتين محليتين دون فتح باب المنافسة أمام باقي الفاعلين. وللتوضيح، فإن “التفويت” المقصود في هذا الملف يتعلق بـ”التسيير والاستغلال” فقط، أي تكليف كل جمعية بمهمة تدبير أحد المركزين، وليس تفويت ملكيتهما التي تظل للجماعة. القرار الذي نُسب إلى وزارة الشباب والثقافة والتواصل، تم دون إعلان عن طلب عروض ودون نشر لدفتر تحملات، مما خلق موجة استياء واسعة في صفوف النسيج الجمعوي الذي وجد نفسه مقصياً من حقه في تقديم مشاريع تدبيرية.
وقد أفرز هذا القرار استياءً ملموساً في أوساط العديد من الجمعيات الرياضية والتربوية بالمنطقة، التي وجدت نفسها مقصية من ولوج فضاءات كانت تعتبرها رافعة أساسية لعملها. ذلك أن اعتماد مسطرة الإسناد المباشر يترتب عنه عملياً حرمان هيئات فاعلة من حقها في المنافسة الشريفة، وتكريس تدبير أحادي لا يستوعب تعدد الحاجيات والمبادرات المحلية.
ردود الفعل لم تتأخر، واتخذت طابعاً مؤسساتياً حين أصدرت فروع أحزاب العدالة والتنمية والتقدم والاشتراكية والاتحاد الاشتراكي بمقاطعتي عين السبع الحي المحمدي بلاغاً مشتركاً بتاريخ 29 أبريل 2026. البلاغ اعتبر أن عملية الإسناد بالمركزين السوسيو-رياضيين بالحي المحمدي وعين السبع تمت بشكل منفرد وتتعارض مع بنود اتفاقية الشراكة المبرمة سابقاً بين الوزارة وجماعة الدار البيضاء، مسجلاً أن توقيت القرار الذي تزامن مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية يطرح تساؤلات حول خلفياته وقد يوحي بتوظيف المرافق العمومية في سياق انتخابي، وهو ما قد يندرج ضمن حالات تنازع المصالح التي يمنعها الفصل 36 من الدستور.
هذا الموقف السياسي تعزز بموقف مؤسساتي، حيث عبّر محمد غفير نائب رئيس مقاطعة الحي المحمدي وعضو مجلس جماعة الدار البيضاء عن حزب التجمع الوطني للأحرار عن رفضه التام للاتفاقية خلال اجتماع لجنة الشؤون الثقافية والاجتماعية والرياضية بمجلس جماعة الدار البيضاء، المنعقد في إطار الاستعدادات الخاصة بدورة ماي 2026، معتبراً أنها تمت دون احترام المساطر الإدارية الجاري بها العمل، وطرح تساؤلاً حول مدى أحقية الوزارة في توقيع اتفاقيات مباشرة بخصوص مرافق لا تدخل ضمن ملكيتها.
وتطور الملف مؤخراً ليدخل رسمياً تحت قبة مجلس جماعة الدار البيضاء، حيث تم طرح الموضوع والتطرق إليه خلال دورة المجلس المنعقدة يوم 7 ماي 2026. وقد وجه مروان راشدي، نائب رئيس مقاطعة الحي المحمدي وعضو مجلس جماعة الدار البيضاء عن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، سؤالاً مباشراً لرئيسة المجلس نبيلة الرميلي حول ما إذا كانت الجماعة قد أعطت ترخيصها لقرار تفويت تسيير مُركبات سوسيو-رياضية. في المقابل، لازال الصمت يخيم على موقف الوزارة الوصية والجمعيتين المستفيدتين اللتين لم تصدرا أي توضيح للرأي العام إلى حدود الساعة، مما يزيد من حالة الغموض التي تلف الملف. هذا النقاش داخل أعلى هيئة تقريرية بالمدينة يعكس حجم الجدل الذي أثارته مسطرة الإسناد، ويؤكد أن الملف تجاوز المستوى المحلي ليصبح قضية رأي عام تهم تدبير الشأن العام بالعاصمة الاقتصادية.
قانونياً، الملف يكشف عن تعارض صريح مع مجموعة من المقتضيات الدستورية والتنظيمية. فالمادة 83 من القانون التنظيمي 113.14 تنص على أن الجماعة تمارس اختصاصات ذاتية في مجال إحداث وتدبير الملاعب والقاعات الرياضية والمراكز الثقافية والترفيهية. وبالتالي فالمركزان ملك جماعي أصلي، وأي تفويت للتدبير يخضع لرقابة مجلس الجماعة. كما أن غياب طلب العروض يتعارض مع الفصل 6 من الدستور الذي يقر المساواة أمام القانون، ومع الفصل 154 الذي يخضع المرافق العمومية لمعايير الجودة والشفافية والمحاسبة والمسؤولية. إضافة إلى المادة 6 من القانون 54.19 بمثابة ميثاق المرافق العمومية التي تنص صراحة على ضمان الولوج المتكافئ إلى المرافق العمومية.
وتعيد هذه النازلة إلى الواجهة إشكالية متكررة في تدبير المرافق المنجزة بشراكة بين الدولة والجماعات، حيث سبق لمدن أخرى أن عرفت جدلاً مماثلاً حول تفويت تسيير المسابح والقاعات المغطاة. غياب دليل مسطري موحد وواضح لتدبير هذه الشراكات يفتح الباب أمام تأويلات متضاربة ويهدد مبدأ استمرارية المرفق العام.
وصولاً إلى اليوم، لازال الملف مفتوحاً على عدة احتمالات. فالهيئات الحزبية الموقعة على البلاغ طالبت والي جهة الدار البيضاء-سطات وعامل عمالة مقاطعة عين السبع بالتدخل العاجل لوقف تنفيذ قرار الإسناد الذي وصفته بغير المشروع. في حين ينتظر الرأي العام المحلي موقفاً واضحاً من جماعة الدار البيضاء بصفتها المالك، بعد أن أصبح الموضوع مطروحاً للنقاش داخل دورتها بتاريخ 7 ماي 2026، وتوضيحاً من الوزارة الوصية حول السند القانوني الذي اعتمدته.
وبين سيناريو التجميد وإعادة المسطرة، وسيناريو اللجوء للقضاء الإداري من طرف الجمعيات المقصية وغيرها، وسيناريو تثبيت الأمر الواقع، يبقى الثابت هو أن كلفة أي تأخير في الحسم سيدفعها شباب المنطقة.
وبناءً على ما سبق، فإن الهيئات الموقعة على البلاغ، ومعها فعاليات المجتمع المدني بالمنطقة، تطالب بما يلي: أولاً، التجميد الفوري لتنفيذ اتفاقية إسناد تسيير المركزين إلى حين فتح تحقيق إداري شفاف في مسطرة الإسناد. ثانياً، إعلان طلب عروض مفتوح وشفاف لنيل مهمة تدبير المركزين وفق دفتر تحملات مصادق عليه من مجلس جماعة الدار البيضاء. ثالثاً، إشراك مقاطعتي الحي المحمدي وعين السبع والنسيج الجمعوي الجاد في لجنة تتبع تدبير المركزين، ضماناً للحكامة الجيدة وتكافؤ الفرص.
إن إشكالية تفويت تدبير المركزين السوسيو-رياضيين بالحي المحمدي وعين السبع لجمعيتين محليتين تضعنا أمام ثنائية صارخة: بين مقتضيات الحكامة التي ينص عليها الدستور والقانون، وإكراهات الواقع التدبيري الذي يكرس منطق التزكية. فالمرفق العمومي لا يكتسب شرعيته من وجوده المادي، بل من عدالة المساطر التي تحكم تدبيره. والشراكة مع المجتمع المدني لا تتحقق إلا بالتعاقد الشفاف القائم على الكفاءة والبرامج. وأي إخلال بهذا المبدأ يحول المرفق من فضاء للتنمية إلى عنوان لأزمة ثقة بين المواطن والمؤسسات.
التهامي غباري