فتيحة عزيب – أخصائية في علم النفس الإكلينيكي
في السنوات الأخيرة، بات الكلام الفاحش يتردد في أوساط الشباب بطريقة لم تعد مجرد زلة لسان أو خروج عابر عن الأدب. أصبح أسلوباً تواصلياً يحمل دلالات نفسية واجتماعية عميقة. ينظر علم النفس إلى هذه الظاهرة بعين تحليلية هادئة، فيكشف أنها ليست بالضرورة تعبيراً عن انحطاط أخلاقي، بل هي في كثير من الأحيان آلية من آليات الانتماء وبناء الهوية في مرحلة حساسة من مراحل النمو.
يقول أحد الشباب في العشرينيات، طالباً عدم ذكر اسمه: «مع العشران كنحس براسي مرتاح ملي كنخسروا الهدرة . أما مع الدار ، كنحاول نتحكم». هذه الشهادة البسيطة تلخص جزءاً كبيراً من الظاهرة.
فالمراهق والشاب في مقتبل العمر يبحثان عن جماعة تؤويهما وتمنحهما شعوراً بالانتماء. وهنا يأتي الكلام النابي ليؤدي دور «الغراء الاجتماعي». حين يتداول الأصدقاء الألفاظ المحظورة فيما بينهم في جو من المزاح والثقة، يؤكدون لأنفسهم أنهم جزء من دائرة مغلقة لا يدخلها الغرباء، وأن بينهم من الألفة ما يسمح بكسر القواعد اللغوية التي يفرضها عالم الكبار. هكذا تتحول الشتيمة من أداة إساءة إلى علامة على المساواة والتضامن.
وفي الوقت ذاته، تلعب هذه اللغة دوراً محورياً في تشكيل الهوية. فالمراهقة مرحلة يسعى فيها الإنسان إلى التميز عن والديه ومعلميه ومجتمعه التقليدي، فيجد في الألفاظ الفاحشة وسيلة سهلة لإعلان استقلاله ورفضه للمعايير المفروضة. يستخدمها ليرسم حدوداً واضحة بين «نحن» و«هم»، وليظهر بمظهر الجريء والناضج في أعين أقرانه. وهذا السلوك يبلغ ذروته في سنوات المراهقة، ثم يتراجع تدريجياً كلما نضجت القدرات العاطفية والاجتماعية.
ولا يغيب عن التحليل البعد التنفيسي والتنظيمي للعواطف. فالكلمة النابية قد تكون صمام أمان سريعاً يفرّغ من خلاله الشاب غضبه أو إحباطه، خاصة حين تعوزه المفردات الدقيقة للتعبير عن مشاعره. الدراسات العصبية تشير إلى أن الألفاظ النابية تُفعّل مناطق في الدماغ مرتبطة بالألم والعواطف القوية أكثر من الكلمات العادية، لذلك يشعر قائلها بتفريغ حقي. وفي السياق الجماعي، يفقد هذا التنفيس حدته العدوانية ويتحول إلى نوع من المبالغة الطريفة أو المداعبة الخشنة.
ثم إن التأثير الاجتماعي لا يقل أهمية. فالشباب يتعلمون هذه اللغة من أقرانهم أكثر مما يتعلمونها من أسرهم، ويجدون في الإعلام والمنصات الرقمية والأغاني ما يطبعها في أذهانهم ويجعلها مألوفة. ويبرز هنا دور بعض أنماط الموسيقى الشائعة، وخاصة أغاني الراب التي يستخدم كثير من نجومها ألفاظاً صريحة في سياق إيقاعي جذاب وأجواء تمرد. هذا التكرار المستمر يجعل الكلام الفاحش يبدو «عادياً» و«أصيلاً» في أعين المستمعين.
غير أن الصورة تختلف جذرياً حين يكون الفحش لغة دارجة داخل الأسرة نفسها. فهناك بيوت يتداول فيها الآباء والأبناء الألفاظ النابية بشكل يومي وعادي. في هذه الحالة، يفقد الكلام الفاحش وظيفته التمردية، لأنه لم يعد «كسر قاعدة»، بل يصبح جزءاً من اللغة المشتركة للأسرة. يتعلم الطفل هذه المفردات منذ الصغر كوسيلة طبيعية للتعبير، فتغيب لديه الحساسية تجاهها، ويصير استخدامها أمراً تلقائياً.
وقد امتد هذا السلوك في السنوات الأخيرة إلى الفضاء العام، كما ظهر في ما تداوله مستخدمو وسائل التواصل حول تصرفات بعض الجماهير في مهرجانات موسيقية كبرى. ففي لحظات الاستياء أو الحماس الجماعي، وُجّهت ألفاظ نابية مباشرة نحو مذيعين أو فنانين. هذا الانتقال إلى الفضاء المفتوح يحول الكلام الفاحش من أداة انتماء خاصة إلى تعبير جماعي علني. من الناحية النفسية، قد يمثل شكلاً من أشكال التنفيس الجماعي أو التمرد الرمزي. أما على المستوى الاجتماعي، فيطرح بعض المتابعين فرضية أنه قد يعكس، جزئياً، حالة من الإحباط المتراكم تجاه ما يُنظر إليه كخلل في سلم الأولويات العامة، حيث تُخصص ميزانيات ضخمة لتظاهرات ترفيهية بينما تعاني قطاعات حيوية كالصحة والتعليم والسكن.
حين ينتقل الكلام الفاحش من دائرة الأقران إلى حضرة الكبار، تتغير دلالته تغيراً عميقاً. يصبح فعلاً مشحوناً بالمعاني والصراعات، وغالباً ما يُفسَّر على أنه تعبير عن الحاجة إلى تأكيد الاستقلال ورفض السلطة. فالمراهق الذي يستخدم الألفاظ النابية أمام والديه أو معلميه يمارس شكلاً من أشكال «المفاعلة النفسية»: رد فعل ينشأ حين يشعر الفرد بأن حريته مهددة. كما قد يكون الدافع اختباراً للحدود أو رغبة واعية في رسم صورة ذاتية تتسم بالجرأة، ولو على حساب الاحترام.
ولا بد من التأكيد أن المعنى ليس ثابتاً. فالكلمة نفسها قد تكون علامة ألفة، أو سلاحاً عدوانياً، أو تعبيراً عن العجز، أو مجرد عادة آلية. كما أن الظاهرة ليست متجانسة؛ فاستخدامها ووظائفها يختلفان بين الذكور والإناث، وبين الطبقات الاجتماعية، وبين البيئات المختلفة.
على المدى البعيد، حين يصبح الفحش هو اللغة الأساسية للتعبير عن المشاعر القوية، قد يضعف القدرة على التواصل العاطفي الدقيق في العلاقات اللاحقة. لذلك فإن التعامل الحكيم مع الظاهرة لا يكون بالصمت المتواطئ ولا بالقمع الغاضب، بل بفهم الدوافع العميقة وراءها. يحتاج الأهل والمربون إلى فتح قنوات تواصل تسمح للشاب أن يثبت ذاته ويعبر عن مشاعره دون أن يحتاج إلى جرح الاحترام أو كسر جسور العلاقة. فالكلمة النابية، في نهاية المطاف، ليست المشكلة بحد ذاتها، بقدر ما هي إشارة إلى حاجة نفسية لم تجد بعد طريقاً أكثر نضجاً للتعبير عن نفسها.