تصنيفات

شؤيط الاخبار

مهن الثقافة والفنون بين الاقتصاد التضامني والتنمية البشرية: نحو نموذج تنموي بديل في المغرب

التهامي غباري ،
تشهد المجتمعات المعاصرة تحولا عميقا في فهمها للتنمية، إذ انتقلت من النموذج الكمي القائم على تراكم الثروة المادية إلى نموذج نوعي يجعل من الإنسان محور العملية التنموية وغايتها النهائية. وفي قلب هذا التحول برزت مهن الثقافة والفنون كفاعل أساسي، لم يعد ينظر إليها بوصفها نشاطا ترفيهيا هامشيا، بل كقطاع إنتاجي يولد القيمة الاقتصادية والرمزية معا، وكأداة فعالة لتحقيق تنمية مستدامة ومتوازنة. فالمغرب بتراثه الحضاري المتنوع من أمازيغي وعربي وحساني ويهودي مغربي، ومن فنون زجل ومسرح وموسيقى وفنون تشكيلية وصناعة تقليدية، يمتلك رصيدا ثقافيا هائلا يمكن أن يشكل رافعة أساسية للتنمية إذا تمت مقاربته من زاوية علمية سوسيو-اقتصادية مندمجة. وتنطلق هذه الورقة من فرضية مركزية مفادها أن مهن الثقافة والفنون تشكل جسرا طبيعيا بين منطق الاقتصاد التضامني والاجتماعي بوصفه نموذجا اقتصاديا بديلا يضع الإنسان قبل الربح، وبين مقاربة التنمية البشرية التي تجعل من توسيع قدرات الإنسان وحرياته المعيار الأساسي للتقدم. فكيف يمكن لهذه المهن أن تؤدي هذا الدور؟ وما هي الشروط الكفيلة بتحويلها من قطاع هش إلى قطاع استراتيجي؟

لفهم هذا التقاطع لا بد من تأطير المفاهيم الأساسية للدراسة. فمهن الثقافة والفنون حسب الإطار المرجعي لليونسكو لسنة 2009 هي مجموع الأنشطة التي يهدف إنتاجها وتوزيعها إلى خلق وتوصيل قيم ثقافية ورمزية، وتشمل الفنون البصرية والتشكيلية بكل تجلياتها، والفنون الأدائية كالمسرح والرقص والموسيقى، والآداب والزجل والشعر الشعبي، والصناعات السمعية البصرية والسينما، إضافة إلى الصناعة التقليدية والتراث باعتبارهما حاملين للذاكرة الجماعية. أما الاقتصاد التضامني والاجتماعي كما عرفه القانون الإطار 112.12 المغربي فهو مجموع الأنشطة الاقتصادية والخدماتية التي تنظمها تعاونيات وجمعيات ومؤسسات وفق مبادئ تخدم الإنسان قبل رأس المال، وتقوم على الحكامة الديمقراطية والتوزيع العادل للفائض. وفي المقابل، تقوم مقاربة التنمية البشرية التي أسس لها أمارتيا سن على فكرة أن التنمية الحقيقية هي توسيع “قدرات” الإنسان على الاختيار والعيش الكريم والإبداع، وليس مجرد رفع متوسط الدخل.

عند تقاطع هذه المفاهيم يتضح أن مهن الثقافة والفنون هي في جوهرها اقتصاد تضامني قبل أن تكون أي شيء آخر. فالفرقة المسرحية تشتغل كنواة تعاونية مصغرة، حيث يتشارك المخرج والممثل وكاتب النص وتقني الصوت والإنارة في القرار وفي تحمل المخاطر وفي توزيع العائد، بعيدا عن منطق الأجير ورب العمل. وتعاونيات الصناعة التقليدية من زربية أيت باها إلى خزف فاس إلى النسيج الريفي، هي نماذج حية لمقاولات تضامنية تجمع بين الإنتاج الاقتصادي والحفاظ على الهوية والتمكين الاجتماعي للمرأة القروية. وحلقات الزجل في المقاهي والفضاءات العمومية، ومواسم “أحواش” في سوس و”كناوة” في الصويرة، هي ممارسات اقتصادية ثقافية قائمة على التطوع والتضامن المجتمعي، تنتج قيمة اجتماعية ورمزية هائلة دون أن تمر بالضرورة عبر السوق الرسمي. هذا البعد التضامني المتأصل في الممارسة الفنية المغربية يجعلها مقاومة بطبيعتها لأزمات الرأسمالية المتوحشة، لأن قيمتها لا تنهار مع انهيار البورصة بل تزداد مع ازدياد الحاجة إلى المعنى والانتماء.

وفي الوقت نفسه، تؤدي هذه المهن وظيفة تنموية بشرية مباشرة لا يمكن تعويضها بأي قطاع آخر. فالمسرح والتمثيل يطوران لدى الفرد قدرة التعاطف والتواصل والقدرة على وضع النفس مكان الآخر، وهي قدرات أساسية للعيش المشترك. والزجل والشعر يصقلان قدرة اللغة والتفكير النقدي والقدرة على صياغة الموقف بدقة وبلاغة. والفنون التشكيلية تنمي قدرة الملاحظة والإبداع البصري وحل المشاكل من زوايا غير تقليدية. والموسيقى والرقص يرسخان قدرة الانضباط والتنسيق الحركي والعمل الجماعي المنسجم. والسينما تمنح قدرة سرد القصة وتحليل الواقع واستشراف المستقبل. وكل هذه القدرات هي بالضبط ما تعرفه تقارير التنمية البشرية الصادرة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بأنها “جوهر الرفاهية الإنسانية”. وعليه، فالاستثمار في ورشة رسم أو في فرقة مسرحية أو في تعاونية حرفية هو استثمار مباشر في “رأس المال البشري” من نوع متقدم، لأنه ينتج إنسانا قادرا على الابتكار والتكيف والقيادة، وليس مجرد يد عاملة منفذة.

هذا التقاطع بين البعد الاقتصادي التضامني والبعد التنموي البشري ينتج عنه ما يسمى في الأدبيات العلمية “رأس المال الاجتماعي”. فالمهرجان والمعرض والورشة الفنية والعرض المسرحي المجاني في الفضاء العمومي، كلها فضاءات يتقابل فيها الناس باختلافاتهم، فيتحاورون ويختلفون ويتصالحون ويبنون الثقة. وهذه الثقة هي الوقود غير المنظور لأي اقتصاد تضامني ناجح وأي مجتمع متماسك. فلا يمكن لتعاونية أن تنجح بدون ثقة بين أعضائها، ولا يمكن لمشروع تنموي أن يستمر بدون عقد اجتماعي قوي بين الدولة والمواطن، والثقافة والفن هما المصنع الأساسي لهذه الثقة.

غير أن الواقع المغربي يكشف عن مفارقة صارخة بين غنى الرصيد الثقافي وهشاشة أوضاع الفاعلين فيه. فبالرغم من أن الصناعة التقليدية وحدها تشغل أزيد من مليوني حرفي حسب المندوبية السامية للتخطيط، وبالرغم من أن المهرجانات الثقافية أصبحت محركا أساسيا للسياحة المحلية، إلا أن الفنان والحرفي والممثل والموسيقي المغربي لا يزال يعاني من ثلاث تحديات بنيوية كبرى. أولها التحدي القانوني المتمثل في غياب قانون أساسي للفنان يضمن له الحماية الاجتماعية والتقاعد والشغل القار، مما يجعل أغلبهم يشتغل في وضعية هشاشة دائمة. ثانيها التحدي التكويني حيث تخرج المعاهد العليا للفن المسرحي والفنون الجميلة فنانين ذوي كفاءة عالية، لكن دون تكوين مواز في ريادة الأعمال الثقافية وتسيير المشاريع الفنية والتسويق، مما يجعلهم غير قادرين على تحويل إبداعهم إلى مقاولة مستدامة. وثالثها التحدي التمثلي المتمثل في نظرة مجتمعية متجذرة تعتبر الفن “شيئا ثانويا” أو “هواية” ولا تعترف به كمهنة منتجة ذات قيمة اقتصادية واجتماعية، وهي نظرة تعرقل أي إصلاح جذري للقطاع.

بناء على ما سبق، يمكن القول إن الرهان الحقي اليوم لم يعد هو “دعم الثقافة” بوصفها صدقة أو منحة موسمية، بل “إدماج الثقافة” في صلب السياسات العمومية للتشغيل والتعليم والتنمية الترابية. وهذا يتطلب ثلاثة مداخل استراتيجية متكاملة. المدخل التشريعي يتمثل في الإسراع بإخراج قانون أساسي للفنان والحرفي المبدع يضمن حقوقه ويعترف به كفاعل اقتصادي ضمن منظومة الاقتصاد الاجتماعي والتضامني. والمدخل التكويني يتمثل في إصلاح جذري للمعاهد الفنية لربط التكوين الفني بالتكوين في المقاولة والتسيير والرقمنة، حتى يتخرج الفنان وهو قادر على خلق فرص شغل لنفسه ولغيره. أما المدخل المجتمعي فيتمثل في حملة وطنية لتغيير التمثلات، ترسخ فكرة أن الفنان والحرفي والمسرحي ليس متسولا للدعم العمومي، بل هو مواطن منتج ومهندس للهوية ومحرك للتنمية.

في الختام، إذا كانت الأمم التي بنت مستقبلها على العلم والتكنولوجيا قد ربحت القرن العشرين، فإن الأمم التي ستفهم أن الروح الإنسانية لا تغتذي إلا بالمعنى والجمال هي التي ستربح القرن الحادي والعشرين. ومهن الثقافة والفنون، ببعدها الاقتصادي التضامني وأثرها التنموي البشري، هي المعمل الذي نصنع فيه هذا الإنسان الجديد: إنسان مبدع، متضامن، وحر. وبدون هذا الإنسان، تبقى كل مشاريع التنمية مجرد أرقام على الورق.

شارك المقال شارك غرد إرسال