فتيحة عزيب
أخصائية كلينيكية
أزمة ركلات الجزاء في كأس أمم أفريقيا للسيدات 2026: قراءة أكاديمية في ظاهرة الاختناق النفسي لمنتخب المغرب النسوي
في مساء الخامس عشر من أغسطس عام ألفين وستة وعشرين، على أرضية الملعب الأولمبي بالرباط، طُويت صفحة مؤلمة جديدة في مسيرة منتخب المغرب لكرة القدم النسوية. بعد تعادل سلبي ثم إيجابي انتهى 1-1 أمام الجزائر في مباراة تحديد المركز الثالث، سقطت «لبؤات الأطلس» مرة أخرى في ركلات الترجيح، لتخرج من البطولة بالمركز الرابع بعد خسارة ثانية بالترجيح خلال أربعة أيام فقط. لم تكن هذه النتيجة مجرد حصيلة رياضية عابرة، بل تجسيداً متكرراً لنمط نفسي عميق يستحق الوقوف عنده من منظور علم النفس الرياضي المعاصر.
سبق هذا السقوط بثلاثة أيام فقط مشهد أكثر قسوة في نصف النهائي أمام الكاميرون. انتهت المباراة بالتعادل السلبي بعد مئة وعشرين دقيقة، وحصل المنتخب المغربي على ركلة جزاء حاسمة في الدقيقة الثامنة عشرة بعد المائة، نفذتها فاطمة تاغناوت، فصدتها الحارسة الكاميرونية ميشالي بيهينا ببراعة. ثم انهارت السلسلة الترجيحية بنتيجة 1-3، حيث نجحت حنان آيت الحاج وحدها، بينما أهدرت كنزة شابيل ومريم عتيق وسكينة أوزراوي. وقبل ذلك بأسابيع، في دور المجموعات أمام السنغال، أهدرت ركلتا جزاء متتاليتان في مشهد نادر أعاد إلى الأذهان هشاشة التحضير الذهني.
هذه السلسلة من الإخفاقات لا يمكن تفسيرها بالحظ السيئ أو النقص الفني البحت. إنها تعكس ظاهرة كلاسيكية في أدبيات علم النفس الرياضي تُعرف بـ«الاختناق تحت الضغط» (Choking under Pressure). عندما يرتفع مستوى الضغط النفسي إلى درجات قصوى — سواء بسبب الجمهور المنزلي الكبير، أو حلم النهائي الثالث توالياً، أو رمزية المواجهة العربية — فإن الإثارة الفسيولوجية تتجاوز الحد الأمثل. يرتفع معدل ضربات القلب، ويزداد إفراز الكورتيزول، ويتوتر الجهاز العضلي، فتنتقل اللاعبة من المعالجة التلقائية للمهارة إلى معالجة واعية مفرطة. هنا تنطبق نظرية «إعادة الاستثمار» التي صاغها ماسترز: المهارات التي كانت تُنفذ آلياً لسنوات تصبح عرضة للتشويش الذهني، فتخرج التسديدة مترددة أو مركزية أو ضعيفة.
يترافق هذا مع ارتفاع نوعين من القلق: المعرفي، المتمثل في الأفكار السلبية المتسارعة («لو أضعتُ الركلة خسرنا البطولة»، «الجمهور ينتظر»، «التاريخ يعيد نفسه»)، والجسدي، الذي يظهر في التيبس العضلي وتغير توقيت التنفيذ. ومع تكرار الإخفاق، يتكون ما يُسمى «تراكم الإخفاق المتكرر» (Repeated Failure Syndrome)، حيث تترك كل ركلة ضائعة أثراً عصبياً يزيد من حساسية الجهاز العصبي للضغط اللاحق. تدخل اللاعبة المواجهة التالية وهي تحمل «ذاكرة جسدية» للفشل، حتى لو حاولت إخفاءها، فتنتشر العدوى النفسية داخل الفريق بسرعة مذهلة.
وتزداد حدة الظاهرة في السياقات ذات الشحنة العاطفية العالية، كالمواجهات العربية أو أمام الجمهور المنزلي. يتحول الدعم الجماهيري، الذي كان مصدر طاقة إيجابية، إلى مصدر ضغط إضافي عندما تتكرر الإخفاقات. تنتقل اللاعبات من عقلية «اللعب من أجل الفوز» إلى عقلية «اللعب لتجنب الخسارة»، وهو تحول ذهني قاتل في لحظات التنفيذ الفردي. كما أن الاعتماد المفرط على منفذة موثوقة واحدة، كحنان آيت الحاج، يكشف غياب العمق النفسي في المجموعة، أي عدم وجود عدد كافٍ من اللاعبات المدربات على الصمود تحت أقصى درجات الضغط.
إن ما حدث في هذه البطولة ليس مجرد نتيجة ظرفية، بل تشخيص بنيوي. قدم المنتخب المغربي مستويات فنية وتنظيمية جيدة، وضمن تأهله إلى كأس العالم 2027، ووصل إلى نصف النهائي على أرضه. غير أن ركلات الجزاء كشفت فجوة واضحة في التحضير الذهني. الفرق التي تحول ركلات الترجيح من مقامرة إلى مهارة مدربة هي تلك التي تستثمر بشكل منهجي في علم النفس الرياضي: محاكاة الضغط الحقيقي في التدريبات، بناء روتينات ما قبل التنفيذ (تنفس عميق، تركيز بصري، جملة إيجابية قصيرة)، تدريب التصور الذهني المتكرر، ومتابعة فردية لمؤشرات القلق والكفاءة الذاتية.
القدم جاهزة… والعقل ليس كذلك بعد. هذه الخلاصة ليست تشاؤماً، بل دعوة أكاديمية واضحة. إذا أرادت «لبؤات الأطلس» أن تتحول من فريق يصل إلى الأدوار المتقدمة إلى فريق يحسمها، فإن الاستثمار في أخصائي علم نفس رياضي متخصص، وتدريب ممنهج تحت الضغط، وبناء منظومة ذهنية جماعية، لم يعد خياراً تكميلياً. أصبح ضرورة وجودية في عصر الرياضة الحديثة.