يتوجه المغاربة يوم 23 شتنبر 2026 إلى صناديق الاقتراع لانتخاب أعضاء مجلس النواب. وهو استحقاق لا يتعلق فقط بتجديد 395 مقعدا، بل يطرح سؤالا جوهر يا حول مدى قدرة النخب السياسية على استعادة الثقة مع المواطن، وعلى تكريس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة ومحاربة الفساد.
تجرى هذه الانتخابات وفق دستور 2011 والقانون التنظيمي رقم 27.11. ويتوزع التمثيل بين 305 مقاعد بالدوائر المحلية و 90 مقعدا باللائحة الوطنية منها 60 للنساء و 30 للشباب دون 40 سنة. غير أن الإشكال اليوم لم يعد تقنيا، بل مرتبط بالممارسة السياسية وبمصداقية النخب.
ويؤكد جلالة الملك محمد السادس على أن “ربط ممارسة السلطة بالمسؤولية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، ليس مجرد شعار، بل هو مبدأ دستوري ملزم للجميع”. هذا المبدأ هو المدخل الأساسي لاستعادة الثقة.
فالمواطن، وخاصة الشباب، لم يعد يسأل فقط “من سيفوز؟” بل يسأل “من سيمثلني فعلا؟”. هناك إحساس بأن هناك فجوة بين أولويات الشعب المتمثلة في القدرة الشرائية والماء والصحة والتعليم والتشغيل، وبين بعض القرارات التي تصادق عليها المؤسسة التشريعية. هذا الواقع يغذي الانطباع بأننا لسنا دائما أمام برلمان “من الشعب وإلى الشعب”، بل أمام برلمان متأثر بمنطق المصالح.
وتبرز في هذا السياق 3 إشكالات أساسية تعيق تخليق الحياة العامة:
1. غياب “قانون الإثراء الفاحش”
ويشدد جلالة الملك على أن “النهوض بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين، يستوجب تخليق الحياة العامة، ومحاربة كل مظاهر الفساد”. لا يمكن الحديث عن الشفافية في غياب آلية قانونية صارمة تلزم المنتخب بالتصريح بممتلكاته وتتبعها ومحاسبته عند أي تضخم غير مبرر. الشعب يريد محاسبة فعلية، لا شعارات.
2. ظاهرة “الترحال السياسي”
وهي ظاهرة غير صحية بتاتا. فالانتقال من حزب لآخر بحثا عن موقع أفضل، دون أي ارتباط بالمبادئ والقيم أو بالبرنامج الذي تم التصويت على أساسه، يضرب في العمق مصداقية العمل الحزبي. فلا يمكن الحديث عن حكومة جديدة وعن أفق إصلاحي، وفي المقابل نجد أن “الإيديولوجية الوحيدة” التي تحرك البعض هي “إيديولوجية المصلحة”.
3. ظاهرة “التزكيات”
في ظل ما يروج من شبهات حول المتاجرة بالتزكية الحزبية، يتم ضرب مبدأ تكافؤ الفرص. ويدخل إلى قبة البرلمان أشخاص لا يملكون برنامجا ولا ارتباطا بهموم الناس، وإنما يملكون فقط القدرة على تمويل الحملة. والنتيجة هي تحويل المنصب الانتخابي من تكليف إلى فرصة للاغتناء.
إن انتخابات 23 شتنبر 2026 هي اختبار للنموذج الديمقراطي المغربي. هي فرصة للأحزاب لتجديد نخبها وتقديم وجوه جديدة نظيفة، وللدولة والمجتمع لجعل هذا الاستحقاق محطة للقطع مع ممارسات الماضي.
الخلاصة أن التحدي ليس في تنظيم الانتخابات. التحدي هو في المخرجات. هل سنفرز برلمانا قادرا على التشريع ومراقبة العمل الحكومي وتقييم السياسات العمومية بما يخدم المواطن؟ المغاربة اليوم يريدون جوابا واضحا: نريد برلمانا من الشعب وإلى الشعب، يفكر في هموم الناس قبل أن يفكر في مصالحه.
التهامي غباري.