تصنيفات

شؤيط الاخبار

_سؤال المعنى في فاتح ماي – الجزء الثالث والأخير_   _هل من إرادة لإعادة أمجاد فاتح ماي؟ ليسترد هيبته وتتوحد الصفوف_

بعد تشخيص “أزمة المعنى” في الجزء الأول، ورصد “انتظار الروح” في الجزء الثاني، نصل في هذا الجزء الختامي إلى سؤال الفعل والمصير: هل من إرادة لإعادة أمجاد فاتح ماي؟!

 

المقاربة الموضوعية ترفض منطقين: “النوستالجيا القاتلة” التي تبكي على الماضي، و”العدمية المدمرة” التي تعلن موت كل شيء. نحن في لحظة ختامية تتطلب تفكيك الواقع واستشراف الممكن. فهل نحن قادرون؟

 

أمجاد فاتح ماي لم تكن مجرد حشود. كانت لحظة تعبوية قصوى توحد فيها الحزبي والنقابي والمجتمعي حول قضية واحدة: الكرامة. كان لفاتح ماي هيبة تفرض نفسها في الشارع وفي قبة البرلمان. لكن هل يمكن استنساخ الماضي؟ الجواب: لا!

 

بنية الإنتاج تغيرت، والطبقة العاملة الكلاسيكية تفككت، وظهر اقتصاد المنصات والهشاشة. فعن أي أمجاد نتحدث إذن؟! نحن لا نريد “كوبي كولي” للسبعينات. نريد استعادة أمجاد الوظيفة: أن يسترد فاتح ماي هيبته كقوة ضغط حقيقية، لا كمجرد ذكرى فولكلورية!

 

مستقبل فاتح ماي يقتضي القطع مع الممارسات التي أوصلته إلى حالة الجمود. والمدخل هو “ميثاق جديد”. ليس ورقة توقع وتُنسى، بل تعاقد مجتمعي يعيد تعريف الأدوار.

 

_أولاً، ميثاق توحيد الصفوف._ أخطر مرض اليوم هو التشتت! ليس فقط بين الحزبي والنقابي، بل داخل الأحزاب ذاتها وداخل النقابات ذاتها. هذا التشرذم العمودي والأفقي بدد هيبة فاتح ماي. لأن في التوحد تتضاعف القوة، وفي التفرق تتلاشى القيمة. فاتح ماي حين كانت النقابات تتكلم بصوت واحد، كان له وزن آخر وموقع تفاوضي مختلف. أما اليوم، فكل تنظيم يتحدث باسمه، والنتيجة: أصوات متفرقة لا تصنع ضغطاً ولا تفرض هيبة. لا بد من “وحدة القضية” بدل وهم “وحدة التنظيم”. بأن يصبح فاتح ماي منصة جامعة: أساتذة، أطباء، عمال، سائقو التطبيقات… كلشي متعبأ لأن المعركة على الكرامة واحدة. الصفوف لا تتوحد بالشعارات، بل بوحدة المصير، والبيت الداخلي أولى بالترتيب!

 

_ثانياً، ميثاق استعادة الهيبة._ الحركات الناجحة تنتقل من الاحتجاج إلى الاقتراح. كفى من الخطاب المكرر! الهيبة لا تُستعاد بالخطب، بل بالقدرة على فرض البدائل. ما هو النموذج الاقتصادي للشغل اللائق؟ ما هي الحماية الاجتماعية العادلة؟ هكذا يسترد فاتح ماي هيبته: حين يصبح مختبراً للأفكار والحلول، لا متحفاً للشعارات. الهيبة هي أن يحسب لك الخصم ألف حساب!

 

_ثالثاً، ميثاق الشرعية الجديدة._ أزمة الرموز التي بهتت هي أزمة ثقة وتمثيلية. فالرمز لا قيمة له إن كان لا يعكس نبض القواعد، وإن كان يكرر نفس الخطاب لعقود دون تجديد! الشرعية اليوم تُنتزع من الميدان، لا تُمنح من فوق. فاتح ماي يجب أن يعود هو نفسه رمزاً لمن “ما بقاش كيتيق”. فلا هيبة بلا شرعية، ولا شرعية بلا مصداقية. والوجود في النقابة، متقاعداً كان أو شاباً، لا يصنع رمزاً. ما يصنعه هو القدرة على التعبير عن هموم الناس بلغة زمنهم!

 

في خلاصة هذه السلسلة، فإن مصير فاتح ماي ليس قدراً محتوماً. هو رهان إرادي: إما استعادة الهيبة وتوحيد الصفوف، أو القبول بفاتح ماي كموعد بروتوكولي ينتهي بانتهاء المسيرة!

 

لسنا عدميين. فاتح ماي لم يعد يشبه فاتح ماي إلا في الاسم والتاريخ. ما تبقى منه اليوم هو مجرد ظل باهت لماضٍ مجيد. لكن التحدي الأخير هو: هل نملك الإرادة لنجعله يسترد هيبته؟! بل لنجعله أقوى من أمجاده؟!

 

_وهنا الأمل في المستقبل: أن يُنتزع مصير فاتح ماي من يد من اعتادوا إحياءه كطقس سنوي، ويعود بأيدي من سيقررون إعادة هيبته كقوة اقتراح وضغط. الميثاق هو البداية. والإرادة هي الشرط. والتاريخ لا ينصف المشتتين!_

 

_انتهى_

 

التهامي غباري،

*#سؤال_المعنى_في_فاتح_ماي*

شارك المقال شارك غرد إرسال