تصنيفات

شؤيط الاخبار

سؤال المعنى في فاتح ماي – الجزء الثاني وقفة: لماذا فقد فاتح ماي روحه؟ أين الخلل؟

هل ما زال فاتح ماي يُشبه فاتح ماي؟

السؤال ليس بلاغياً. كان يوماً تتويجاً للعلاقة العضوية بين الأحزاب والنقابات، وخصوصاً في الأحزاب الوطنية التاريخية، محطة تُنتزع فيها الشرعية من الشغيلة ومن الشارع. واليوم، إن كان الجواب مؤلماً، فإننا لا نُسقط الواقع في لون واحد. هناك مناضلون شرفاء ما زالوا على العهد، ومقرات حية تقاوم الإغلاق، ونقابات تصر على خطها النضالي رغم الضغط. هؤلاء هم الاستثناء الذي يمنعنا من التعميم، ويُبرز حجم المسافة بين الأصل والواقع.

والأكيد أن تراجع فاتح ماي لم يأتِ في فراغ. -اختلالات بنيوية متداخلة ساهمت في إفراغه من مضمونه-: تراجع الفعل الحزبي وتغول المال السياسي، هشاشة سوق الشغل وتفكك الطبقة العاملة، انسحاب منطق التضامن لصالح الفردانية، وضمور العمل الجماعي أمام ثقافة الاستهلاك. هذه الاختلالات لا تُبرر ما وصلنا إليه، لكنها تشرح كيف تضافرت العوامل لتُضعف المحطة.

ولكي نفهم كيف فقد فاتح ماي روحه، لا بد أن نعود إلى الأصل: العلاقة العضوية بين الحزب ونقابته. حين نتحدث عن أزمة الحضور، نشخص أزمة مقرات فقدت وظيفتها. وحين نتحدث عن بهتان الشعارات، نلامس أزمة أذرع نقابية فقدت بوصلتها. الخيط الناظم واحد: إذا تراجع الأصل الحزبي، تراجع الفرع النقابي. وإذا ضعفت النقابة، انعزل الحزب عن الشارع. النقد هنا يطال البنيتين، كلٌ من زاوية مسؤوليته.

في الجزء الأول، استحضرنا الزمن الجميل حين كانت المقرات تصنع المعنى. كان فاتح ماي تاج النضال، والمختبر الحقيقي لقوة الأحزاب والنقابات، ومحطة المحاسبة الشعبية. كان تتويجاً لتكامل رباعي: الحزبي – النقابي – الشبيبي – الجمعوي.

وختمنا بالسؤال الجوهري: متى وكيف ولماذا فقد فاتح ماي روحه؟ كيف تحول من محطة نضال ومعنى، إلى موعد سنوي باهت، جسد بلا روح، وحافلات بلا مناضلين؟

هذه وقفة للإجابة. وقفة تقول إن المعنى يتراجع حين تتحول الأجهزة إلى بنية للامتيازات، وحين يصعد أصحاب منطق البراغماتية ليقرروا مصير الشارع، وحين يتحول الانتخاب إلى تعيين، والقناعة إلى مقابل، والنضال من مشروع عمر إلى مهمة مؤقتة.

أ. على المستوى الحزبي: المقرات والفروع بين الزمن الجميل والواقع

في الزمن الجميل، كانت المقرات الحزبية وفروعها، وخصوصاً في الأحزاب الوطنية التاريخية، هي قلب النضال النابض. كانت فضاءات مفتوحة يومياً لإنتاج المعنى السياسي وتأطير النخب. كانت مدرسة حقيقية، والفروع هي الخلية القاعدية التي تربط الحزب بالشارع. كان المناضلون يخرجون منها نحو فاتح ماي بقناعة وعقيدة. كانت هي الخلية التي تصنع الشارع السياسي.

اليوم، نسأل بمرارة: أين هي تلك المقرات والفروع؟ كم مقراً يفتح أبوابه يومياً للنقاش والتكوين؟ كم منها ما زال مدرسة وليس وكالة انتخابية موسمية؟ حين تتحول عند البعض إلى عقارات مغلقة، أو صالونات بروتوكولية، أو مكاتب لتوزيع التزكيات وتصفية الحسابات، فالنتيجة فاتح ماي بلا روح. إذا تراجعت المقرات والفروع الحزبية، تراجع الشارع السياسي.

في الزمن الجميل، كانت الأجهزة الحزبية أدوات للتأطير وخدمة المشروع. كان الصعود إليها عبر النضال الميداني والكفاءة والانتخاب القاعدي. كانت تفرز النخب وتُنتج القيادات.

اليوم، حين يصعد إليها أصحاب منطق الامتيازات، وتتحول عند البعض من أدوات للنضال إلى بنية للامتيازات، تضيع البوصلة. ولا نعمم، فالأحزاب والنقابات ليست سواء. هؤلاء هم من يقررون مصير الشارع، هم من يوزعون التزكيات ويعينون بدل أن ينتخبوا. الأجهزة التي يسيطر عليها منطق الامتيازات هي من تُضعف المعنى، وهي من تصنع فاتح ماي الباهت.

ب. على المستوى النقابي: النقابات وفروعها بين القوة والأزمة

في الزمن الجميل، كانت النقابات وفروعها هي العمود الفقري لفاتح ماي. كانت قلعة حقيقية للنضال العمالي. كانت قوة المنخرطين وانضباطهم هي المعيار. كان للرموز النقابية كلمتهم المسموعة، وكانوا يقودون الشارع من المنصة بشرعية ميدانية. وكانت النقابات تتنافس على إنجاح فاتح ماي. كل نقابة كانت تسعى لتكون الأقوى تعبئة، والأكثر حضوراً، والأوضح مطالب. كان فاتح ماي امتحان شارع حقيقي. وكانت الفروع النقابية هي الدينامو الميداني الذي يضمن نجاح التعبئة. كانت النقابة تُنتزع شرعيتها من الشارع، وتُحاسب قياداتها أمام القواعد.

اليوم، لماذا لم تعد النقابات تعبر عن نبض الشغيلة كما كانت؟ أين اختفى التنافس النضالي على إنجاح فاتح ماي؟ أين اختفى دور الفروع في التعبئة؟ ولا أعمم هنا، كيف تحولت عند البعض إلى أداة لتجميل الواقع بدل تأطيره؟ حين يصير المنخرط رقماً في لوائح الانتخابات المهنية فقط، وحين يصبح المكتب النقابي سلطة فوقية لا تحاسب، وحين تُستبدل المطالب الجذرية باتفاقيات شكلية، تدخل النقابة في أزمة تمثيلية. إذا كانت النقابة التي يُفترض أن تدافع عن الشغيلة أول من يساوم على حقوقها، فمن سيدافع عن الطبقة العاملة في فاتح ماي؟

في الزمن الجميل، كان الانتخاب النقابي تجسيداً للشرعية الديمقراطية. كان الصعود للمسؤولية يمر عبر النضال الميداني والكفاءة وانتخاب القواعد.

اليوم، حين يتحول الانتخاب إلى تعيين، وحين يصعد للمسؤولية من لم يعرف النضال الميداني بمنطق الولاءات الضيقة، فأي معنى بقي لفاتح ماي؟ منصة لا يقف عليها من انتخبته القواعد هي منصة بلا شرعية.

ج. الأذرع الموازية: الجسر بين الزمن الجميل والقطيعة

في الزمن الجميل، كانت الشبيبات الحزبية هي الدينامو الحقيقي. كانت مدارس لتخريج المناضلين. كان الشباب يتكونون داخل المقرات، ويحملون المشعل بوعي وقناعة. كانت الكفاءة النضالية هي المعيار، وكان الموقع النضالي أهم من التموقع.

اليوم، لماذا لم تعد الشبيبات مدارس لتخريج المناضلين؟ وهنا أيضاً لا أعمم. كيف تحولت عند البعض إلى هياكل للبحث عن الكوطا؟ حين يصبح التموقع أهم من الموقع النضالي، تتحول الشبيبة إلى ديكور بلا روح. إذا كانت الشبيبات التي يُفترض أن تحمل المشعل هي أول من يبحث عن الامتيازات، فمن سيحمل مشعل فاتح ماي غداً؟

في الزمن الجميل، كانت القطاعات الموازية والجمعيات هي الجسر الحي بين الحزب والمجتمع. كانت تشتغل طوال السنة: قطاع المحامين، المهندسين، الأطباء، النساء، الجمعيات الثقافية والاجتماعية. كان عملها الميداني يُتوج في فاتح ماي، وكانت شعارات المنصة تعكس هموم الناس لأنها نابعة من الميدان.

اليوم، لماذا تراجعت كثير من القطاعات والجمعيات؟ كيف تحولت عند البعض إلى دكاكين انتخابية موسمية؟ إذا كان الجسر مقطوعاً، فالمنصة تتكلم إلى نفسها. وشعارات فاتح ماي تصبح إنشاء لا يلامس هم الناس.

د. الآفة المشتركة: من استقلالية القرار إلى هيمنة المال السياسي

في الزمن الجميل، كان المناضل يساهم من ماله الخاص ضماناً لاستقلالية القرار. كان الصعود عبر الانتخاب القاعدي تجسيداً للشرعية الديمقراطية. كانت القناعة هي رأس مال المناضل، والنضال مشروع عمر.

اليوم، من يصنع القرار؟ هل القواعد أم المال؟ حين يصعد أصحاب منطق الامتيازات، وحين يتحول النضال إلى استثمار، وحين تتحكم سلطة المال في من يقرر ومن يقود، تضيع الشرعية. لأن الشرعية التي لا تُنتزع من القواعد في الشارع، لا قيمة لها.

في الزمن الجميل، كان النفس النضالي الطويل هو القاعدة. المناضل يبني، يُكوّن خلفاً، يُفكر في فاتح ماي القادم. كان المشروع مستمراً.

اليوم، حين يصبح الحفاظ على الموقع هو الهاجس الأول عند بعض المسؤولين، يضيع كل شيء. من يصل للمسؤولية بمنطق الامتيازات، لا يبني. لا يُكوّن خلفاً. لا يفكر في فاتح ماي القادم. همه أن يمر موسمه بسلام. بهذا المنطق تراجع النفس النضالي الطويل، وتراجعت معه روح فاتح ماي التي كانت مشروع عمر، لا محطة عبور.

في الزمن الجميل، كان فاتح ماي محطة للمحاسبة الشعبية. القيادات كانت تخرج للشارع، تواجه القواعد، وتقدم كشف حساب نضالي. كانت القناعة هي الشرط الأخلاقي الأول للنضال.

هذه وقفة تقول إننا لم نعد أمام سؤال ضعف المشاركة فقط. نحن أمام سؤال شرعية التمثيل. أمام سؤال أخلاقيات النضال. أمام سؤال أين الخلل؟ هل هو تراجع الأحزاب الذي أضعف النقابات، أم أزمة النقابات التي عزلت أحزابها؟

أمام هذا الواقع، السؤال الحارق هو: فمن يمثل من في فاتح ماي؟

في الزمن الجميل، كانت كلمة “المناضل” تاجاً على الرؤوس. كانت وسام شرف يُنتزع بالتضحية. من يُقال له “مناضل” يمشي مرفوع الرأس، والناس تنظر إليه بتقدير.

اليوم، ماذا حدث للكلمة؟ أُفرغت من هيبتها وحمولتها! حين تفقد الكلمات الكبيرة وقارها، فاعلم أن المعنى كله ينزف.

إن استعادة روح فاتح ماي هي معركة استعادة الشرعية والأخلاق والاستمرارية في العمل السياسي والنقابي والجمعوي. وهي معركة لا تُخاض بالشعارات، بل بالعودة إلى الأصل: مقرات حزبية مفتوحة، أجهزة منتخبة بكفاءة، نقابات مناضلة وفروع حية، شبيبات مؤطرة، قطاعات وجمعيات تشتغل في الميدان، مناضلون شرعيون، وطبقة عاملة حاضرة. وبالقطع مع منطق الامتيازات.

فإما أن نستعيد المعنى والشرعية… أو نستمر في إفراغ فاتح ماي من مضمونه سنة بعد سنة.

والرهان اليوم ليس على استعادة فاتح ماي كشكل، بل كجوهر. ليس كطقس، بل كرسالة.

*ولسنا من دعاة العدمية، بل من أهل الوفاء للمعنى.*

يتبع في الجزء الثالث: هل ما زال هناك أمل؟ نحو ميثاق جديد لفاتح ماي.

انتهى الجزء الثاني.

التهامي غباري

ملحوظة: هذا المقال هو الجزء الثاني من سلسلة “سؤال المعنى في فاتح ماي” ويُصنف ضمن خانة “مقال رأي – وجهة نظر”. الآراء الواردة تعبر عن موقفي كفاعل مدني في إطار حرية التعبير المكفولة دستورياً، مع الالتزام باحترام الثوابت الوطنية والمؤسسات وعدم المساس بالمقدسات. هذه الآراء لا تلزم بالضرورة أي هيئة سياسية أو نقابية أو جمعوية.
الهدف هو فتح نقاش عمومي مسؤول حول قضايا الشأن العام.

شارك المقال شارك غرد إرسال