التهامي غباري،
إذا كان الجزء الأول من هذه السلسلة قد طرح السؤال حول دور الانتخابات في خدمة مسار التنمية ببلادنا، وذهب الجزء الثاني إلى تشخيص بعض التحديات التي ما تزال تعيق التفعيل الأمثل للسياسات العمومية، مستلهماً في ذلك من حكمة الموروث الشعبي الذي حذر ببلاغة من تعطيل الطاقات حين قال “الخيل مربوطة والحمير كتبورض”، فإن الجزء الثالث من هذه السلسلة ينتقل من دائرة السؤال والتشخيص إلى أفق اقتراح الأجوبة العملية. فالرهان اليوم هو كيف نجعل من استحقاقات سنة 2026 محطة وطنية فارقة لتحرير الكفاءات وتثمين الطاقات الحية التي يزخر بها الوطن، وتحويل المبادئ الدستورية الكبرى إلى ممارسة مؤسساتية ملموسة تخدم الصالح العام وتعزز الثقة في المستقبل.
إن المرجعية الأساسية التي تؤطر هذا التوجه هي الدستور المغربي باعتباره الإطار الجامع لكل مكونات الأمة والضامن للحقوق والحريات والمنظم للعلاقة بين المؤسسات. وفي هذا الإطار، تضطلع المؤسسة الملكية بدور محوري في السهر على وحدة الأمة واستقرارها وضمان السير العادي للمؤسسات، وهو الدور الذي ينسجم مع التوجيهات الملكية السامية التي ما فتئت تشدد في مختلف المناسبات على ضرورة إشراك الكفاءات الوطنية وتحرير المبادرات الفردية والجماعية وتمكين الطاقات الحية للمجتمع، باعتبار ذلك المدخل الأساسي لتحقيق الإقلاع التنموي الشامل الذي انخرطت فيه المملكة.
وإن بلوغ هدف تحرير الطاقات وتمكينها من قيادة قاطرة التنمية يقتضي الاشتغال وفق مقاربة شمولية تقوم على ثلاثة مرتكزات متكاملة. يتمثل المرتكز الأول في مواصلة تعزيز الشفافية وتقوية جسور الثقة بين الإدارة والمواطن، وذلك من خلال تطوير آليات توفير المعلومة العمومية وتيسير الوصول إليها، لما لذلك من أثر مباشر في تمكين المواطن من تتبع الشأن العام والمساهمة في تقييم السياسات العمومية. فنشر المعطيات المتعلقة بالبرامج والمشاريع والطلبيات العمومية يساهم في تجويد القرار وترشيد التدبير وربط جسور الثقة التي تعد رأس المال الحقيقي لأي مسار تنموي. أما المرتكز الثاني فيتجلى في جعل الإدارة العمومية رافعة حقيقية للمبادرة والاستثمار عبر تطوير أدائها وتبسيط مساطرها وتسريع وتيرة معالجة الملفات المرتبطة بالمشاريع الاستثمارية والمبادرات الخاصة. فالإدارة المواطنة هي تلك التي تضع نفسها في خدمة المواطن والمقاول وتعمل على تيسير الإجراءات بدل تعقيدها، لأن تحفيز المبادرة الخاصة وخلق مناخ أعمال سليم يظل السبيل الأنجع لخلق الثروة وتوفير فرص الشغل اللائق للشباب. ويتعلق المرتكز الثالث بتثمين الأدوار التي تضطلع بها مؤسسات الحكامة الوطنية في مجالات التقييم والتتبع والرقابة، والعمل على الاستثمار الأمثل للتقارير والتوصيات الصادرة عنها من أجل تجويد الأداء المؤسساتي وتطوير الحكامة العمومية، بما يضمن النجاعة في التدبير والفعالية في تحقيق الأثر على حياة المواطنين.
غير أن إنجاح هذا الورش الوطني الكبير يظل رهيناً بتعبئة شاملة وانخراط مسؤول من طرف جميع القوى الحية بالبلاد. فالكفاءات الوطنية في مختلف التخصصات والقطاعات، سواء منها المتواجدة داخل أرض الوطن أو في صفوف مغاربة العالم، مدعوة اليوم أكثر من أي وقت مضى للمساهمة الإيجابية والفعالة في تدبير الشأن العام وتأطير الحياة العامة. وقد أتاح الإطار القانوني الوطني قنوات متعددة ومتنوعة لهذه المشاركة، كما أن التوجيهات الملكية السامية تشكل في جوهرها دعوة صريحة وضمانة قوية لهذا الانخراط، لأن الوطن في حاجة ماسة اليوم إلى جميع أبنائه وبناته. وفي ذات السياق، يضطلع الناخب المغربي بدور محوري وأساسي في هذه الدينامية، فصوته الانتخابي ليس مجرد إجراء شكلي بل هو الآلية الديمقراطية التي أقرها الدستور للتعبير الحر عن الإرادة الشعبية والمساهمة في تحديد الخيارات الكبرى للبلاد. وعليه، فإن استحقاقات سنة 2026 تمثل فرصة ديمقراطية وموعداً مع التاريخ لممارسة هذا الحق الدستوري بكل مسؤولية ووعي، والمساهمة في فرز نخب وكفاءات وبرامج قادرة فعلاً على الاستجابة لتطلعات المواطنين وخدمة قضايا الوطن. إنها لحظة اختيار حقيقية بين تكريس مسار تحرير الطاقات وتمكين الكفاءات القادرة على قيادة التحول، أو القبول باستمرار الأوضاع على حالها لولاية أخرى.
إن استحضار كل هذه المعطيات يضع بلادنا اليوم أمام مسؤولية تاريخية وفرصة حقيقية لتعزيز المكتسبات وتسريع وتيرة الإصلاحات الكبرى في أفق سنة 2030، وهو الأفق الذي اختارته المملكة كموعد لتحقيق قفزة نوعية في مسارها التنموي. فالخيار الواضح هو خيار تفعيل قيم الدستور ومبادئه، وتوسيع دائرة المشاركة الواعية للكفاءات الوطنية، وترسيخ ثقافة الثقة والمسؤولية المشتركة. وهذا المسار وحده الكفيل بإطلاق العنان للطاقات الوطنية الخلاقة لتقود معركة التنمية الشاملة والمستدامة في مختلف القطاعات الحيوية، من اقتصاد منتج وذي قيمة مضافة عالية، إلى تعليم نوعي ومنتج للمعرفة، وصولاً إلى منظومة صحية عادلة ومنصفة.
وخلاصة القول، فإن رهان استحقاقات 2026 يتجاوز في عمقه ودلالاته البعد الانتخابي الظرفي ليصبح رهاناً وطنياً استراتيجياً على قدرتنا الجماعية كأمة في تحويل المبادئ الدستورية النبيلة إلى ممارسة يومية، وتحويل الطموحات المشروعة إلى واقع معيش. فإذا كانت المؤسسة الملكية تضطلع بأدوارها الدستورية كضامن لوحدة الأمة واستقرارها وحسن سير مؤسساتها، فإن تفعيل هذا المسار على أرض الواقع يبقى مسؤولية مشتركة وتاريخية تتحملها كل المؤسسات الدستورية والأحزاب السياسية والنقابات المهنية وفعاليات المجتمع المدني وعموم المواطنات والمواطنين. فلنكن جميعاً في مستوى هذه اللحظة الوطنية الفارقة، ولنساهم كل من موقعه في تحرير الطاقات الأصيلة لهذا الوطن والانطلاق معها بكل ثقة وعزيمة وإصرار نحو المستقبل الذي نريده لأبنائنا. إن المصلحة العليا للوطن فوق كل اعتبار، وهي البوصلة الوحيدة التي يجب أن توجه خطانا جميعاً. فالمستقبل تصنعه الإرادات الصادقة، والكفاءات المحررة هي مفتاحه.