تصنيفات

شؤيط الاخبار

سؤال المعنى في فاتح ماي – الجزء الأول: في الزمن الجميل حين كانت المقرات تصنع المعنى… فمتى وكيف وعلاش فقد فاتح ماي روحه؟

في الزمن الجميل، كانت المقرات الحزبية والنقابية، بصفة عامة، فضاءات إنتاج المعنى السياسي وتأطير النخب.

في الزمن الجميل، كان المناضل يساهم من ماله الخاص ضماناً لاستقلالية القرار، وكان الصعود التنظيمي يتم عبر آلية الانتخاب القاعدي كتجسيد للشرعية الديمقراطية. وكانت أبواب المناضلين في بيوتهم مفتوحة في وجه الجميع… للقاء، للنقاش، للتأطير، للضيافة… بلا موعد وبلا بروتوكول.

وكان فاتح ماي هو ذروة هذا المعنى، وتاج النضال.

في الزمن الجميل، لم يكن فاتح ماي مجرد عيد عمالي عابر أو مسيرة موسمية. كان عيد الطبقة العاملة أولاً وأخيراً، ومحطة نضالية بامتياز، والمختبر الحقيقي الذي تُقاس فيه قوة الأحزاب والنقابات. هو المحطة التي يظهر فيها الرصيد النضالي للأحزاب وقوة خطابها. الحزب كان يُقاس بفاتح ماي: هل يملك قاعدة حقيقية؟ هل يملك خطاباً مقنعاً؟ هل يملك مناضلين يخرجون إلى الشارع بقناعة لا بأمر؟

فاتح ماي كان محطة تعبئة حقيقية، لا تُترك للصدفة. التهييء له كان يبدأ أشهراً قبل: اجتماعات المكاتب، تعبئة الفروع، صياغة الشعارات، طبع المناشير، التنسيق بين النقابة والحزب والشبيبة والقطاعات. كان يوماً تُحشد له كل الطاقات التنظيمية دفاعاً عن الطبقة العاملة.

في الزمن الجميل، كان فاتح ماي لحظة التقاء النضال الحزبي بالنقابي بالحقوقي بالجمعوي في الشارع. فيه كانت تذوب الفوارق بين المناضل النقابي والحزبي والحقوقي، لأن الهم كان واحداً: الدفاع عن كرامة الشغيلة وحقوق المستضعفين. كانت المنصة واحدة، والخطاب واحد، والهتاف واحد، والعدو الطبقي واضح. والطبقة العاملة كانت هي القلب النابض للمسيرة، وهي صاحبة القضية الأولى.

في فاتح ماي كانت تظهر للعلن نتائج عمل سنة كاملة من التأطير: قوة النقابة في عدد منخرطيها وانضباطهم، قوة الحزب في قدرته على التعبئة السياسية، قوة الشبيبة في حماسها وتأطيرها للمسيرة، قوة الجمعيات في حضورها الميداني. كان استعراضاً حقيقياً للقوة الناعمة للأحزاب الوطنية… قوة الفكرة، قوة التنظيم، قوة الالتحام بالجماهير، وقوة الالتفاف حول مطالب الطبقة العاملة.

وكان فاتح ماي أيضاً محطة للمحاسبة الشعبية. القيادات كانت تخرج للشارع، تواجه القواعد، تستمع لنبضها، وتقدم كشف حساب نضالي أمام الطبقة العاملة. لم يكن هناك مكان للاختباء وراء المكاتب المكيفة. الشرعية كانت تُنتزع من الشارع في فاتح ماي، وتُجدد كل سنة.

والأساس المتين لهذا الزخم؟! بعض الأحزاب الوطنية الحقيقية كانت تملك دائماً منظومة متكاملة من التنظيمات الموازية: أذرع نقابية قوية تدافع عن الشغيلة وتعبئ لفاتح ماي، وقطاعات مهنية وفئوية تؤطر المجتمع وتنقل همومه إلى المنصة، وجمعيات مدنية… ثقافية، حقوقية، تنموية، نسائية، شبابية… كانت تشتغل طوال السنة لتُتوج مجهودها في فاتح ماي، وشبيبات حزبية كانت هي الدينامو، مدرسة حقيقية لتخريج المناضلين الذين يؤطرون المسيرات ويرفعون الشعارات ويحمون التنظيم.

وهذا لا يعني أن كل الأحزاب الوطنية كانت كذلك، ولا يعني أن هذا النموذج كان حكراً عليها. هناك أحزاب أخرى… قد نعتبرها “إدارية” أو نشأت في سياقات مختلفة… حاولت أن تسير على نفس المنوال، وأن تبني لها امتدادات موازية، لكنها لم تستطع. بالرغم من حصول بعضها أحياناً على مراتب متقدمة في الانتخابات، باعتبار أن السياق السياسي كانت تتحكم فيه عوامل واعتبارات متعددة تتجاوز منطق الصناديق وحده. لأن بناء الذراع النقابي والجمعوي والشبيبي والقطاعي يحتاج إلى قناعة، إلى مشروع، إلى نفس نضالي طويل… لا إلى “دفتر شيكات” فقط، ولا يمكن اختزاله في “كراء حافلات” لفاتح ماي.

هذا التكامل الرباعي… الحزبي – النقابي – الشبيبي – الجمعوي… مع الامتداد القطاعي، هو الذي كان يصنع “الأحزاب الحقيقية والقوية” ويعطي لفاتح ماي معناه. أحزاب متجذرة في المجتمع، حاضرة في كل الواجهات، تنتج النخب والبرامج والبدائل، ولها امتداد شعبي ومجتمعي حقيقي يظهر للعلن في فاتح ماي دفاعاً عن الطبقة العاملة.

وكان للقطاعات دور لا يقل أهمية في إنجاح فاتح ماي: قطاعات مهنية، فئوية… كانت بمثابة الجسر بين الحزب وبين فئات المجتمع الحيوية: المهندسون، الأطباء، المحامون، التجار، الفلاحون، الطلبة… كل قطاع كان يشتغل على هموم فئته طوال السنة، ويؤطرها، وينقل نبضها إلى الحزب، وينقل خطاب الحزب إليها، ليصب الجميع في مسيرة فاتح ماي الموحدة. القطاعات كانت مدرسة للتكوين السياسي المتخصص، ورافعة للتأطير المجتمعي الدقيق. ورغم أن بعضها ما زال قائماً اليوم شكلاً، إلا أن المضمون والوظيفة اختلفا كثيراً لدى البعض، وصار حضورها في فاتح ماي باهتاً أو بروتوكولياً.

لكن اليوم… تغير كل شيء. صار فاتح ماي عند البعض جسداً بلا روح. مسيرة بلا قضية، وحافلات بلا مناضلين، ومنصة بلا خطاب، وطبقة عاملة غائبة أو مُغيَّبة. وهنا يُطرح السؤال الجوهري الذي يلخص مأساة التحول: متى وكيف وعلاش فقد فاتح ماي روحه؟ كيف تحول من محطة نضال ومعنى، إلى مجرد موعد سنوي باهت؟

لكن رغم تحولات العصر وتبدل السياقات، فإن ذلك لا يشرعن القطيعة مع النضال الإيجابي لصالح النزعة المصلحية! ولا يبرر تحويل فاتح ماي من محطة نضال إلى مجرد “فولكلور سنوي”.

فمن يتحمل مسؤولية اغتيال المعنى؟ ومن يعيد الروح لفاتح ماي؟ ومن يعيد للطبقة العاملة عيدها؟

يتبع في الجزء الثاني: حين تتحول الأجهزة إلى بنية للريع… ومصير الشبيبات الحزبية والقطاعات الموازية.

التهامي غباري

ملحوظة: هذا المقال هو الجزء الأول من سلسلة “سؤال المعنى في فاتح ماي” ويُصنف ضمن خانة “مقال رأي – وجهة نظر”. الآراء الواردة تعبر عن موقفي كفاعل مدني في إطار حرية التعبير المكفولة دستورياً، مع الالتزام باحترام الثوابت الوطنية والمؤسسات وعدم المساس بالمقدسات. هذه الآراء لا تلزم بالضرورة أي هيئة سياسية أو نقابية أو جمعوية.
الهدف هو فتح نقاش عمومي مسؤول حول قضايا الشأن العام.
سؤال المعنى في فاتح ماي – الجزء الأول: في الزمن الجميل حين كانت المقرات تصنع المعنى… فمتى وكيف وعلاش فقد فاتح ماي روحه؟

شارك المقال شارك غرد إرسال