*التهامي غباري*
مع اقتراب كل استحقاق انتخابي يعود النقاش حول القضايا الاجتماعية الكبرى إلى الواجهة، ومن بينها قضية المتقاعدين التي ظلت لسنوات طويلة مهمشة رغم حدتها. وفي هذا السياق أعلن حزب الأصالة والمعاصرة عن التزام سياسي واضح ومباشر تمثل في شعار “لا معاش دون 3000 درهم”، مع التأكيد على أن تنزيل هذا الالتزام سيكون ابتداء من السنة الثانية من الولاية الحكومية المقبلة.
هذا الإعلان يستند إلى تشخيص واقعي لوضعية منظومة التقاعد بالمغرب. فالمعطيات المتوفرة تشير إلى أن هناك أزيد من 153 ألف متقاعد يتقاضون معاشا شهريا يقل عن 2000 درهم، وأن هناك فئات في القطاع الخاص لا يتجاوز معاشها 900 درهم، وهو رقم يطرح أكثر من علامة استفهام حول مدى احترام كرامة هذه الفئة التي أفنت عمرها في العمل. في المقابل يصل متوسط المعاش في القطاع العام إلى حوالي 3500 درهم، مما يكرس فجوة واضحة بين فئات المتقاعدين ويغذي الإحساس بالحيف وعدم المساواة.
وعليه فإن شعار “لا معاش دون 3000 درهم” يحمل بعدا رمزيا قويا يتمثل في القطيعة مع منطق “معاشات الفقر”، كما يحمل بعدا تداوليا يتمثل في التزام برقم محدد وبأفق زمني، مما يجعله قابلا للقياس والمحاسبة. لكن التجربة السياسية المغربية مع الحكومات السابقة تفرض علينا التوقف عند سؤال جوهري: هل نحن أمام وعد انتخابي جديد سيضاف إلى سجل الوعود التي لم تر النور، أم أننا فعلا أمام التزام سياسي قادر على تجاوز إكراهات التنزيل والتحول إلى حقيقة ملموسة على أرض الواقع؟
إن أول إكراه يواجه هذا الالتزام هو إكراه التمويل. فالانتقال من عتبة 900 درهم إلى 3000 درهم بالنسبة لآلاف المتقاعدين يعني كلفة مالية إضافية تقدر بالمليارات سنويا. ويبقى السؤال مطروحا حول مصادر هذا التمويل وآلياته. هل سيتم ذلك عبر إعادة توزيع النفقات العمومية؟ أم عبر إصلاح جبائي؟ أم عبر دعم مباشر من الدولة؟ غياب أجوبة واضحة في هذه المرحلة يفتح الباب أمام كل الاحتمالات.
الإكراه الثاني مرتبط بالوضعية المالية للصناديق. فالمعلوم أن الصندوق المغربي للتقاعد والنظام الجماعي لمعاشات التقاعد يعانيان من عجز مالي كبير ومن اختلالات تهدد قدرتهما على الوفاء بالتزاماتهما المستقبلية. وبالتالي فإن أي زيادة في الالتزامات دون إصلاح شامل وعميق لهذه الصناديق قد يؤدي إلى تعميق الأزمة وتهديد مستقبل الأجيال القادمة، وهو ما يجعل من مسألة التوازن بين العدالة الاجتماعية اليوم وضمان استمرار الصناديق غدا تحديا كبيرا.
أما الإكراه الثالث فيتعلق بالزمن السياسي. فتبرير تأجيل التنزيل إلى “السنة الثانية” قد يكون له مبررات تقنية تتعلق بإعداد الإطار القانوني والمالي اللازم. لكن التجربة علمتنا أن “السنة الثانية” كانت في الغالب هي سنة “الإكراهات” و”الظرفية الصعبة” التي يتم فيها ترحيل الالتزامات أو تخفيفها.
خلاصة القول أن التزام “لا معاش دون 3000 درهم” يمثل خطوة مهمة في اتجاه الاعتراف بأزمة المعاشات وضرورة معالجتها. لكن قيمته الحقيقية لن تقاس بحرارة التصفيق في المنصات الانتخابية، بل بقدرة الفاعل السياسي على تجاوز إكراهات التمويل والوضعية المالية للصناديق والتوقيت. وفي غياب إجابات دقيقة وملزمة حول هذه النقاط، سيظل هذا الالتزام معلقا بين احتمالين: إما أن يكون قطيعة حقيقية مع منطق وعود الماضي، وإما أن يكون نسخة جديدة منها. والفيصل في ذلك كله سيكون اختبار أرض الواقع.