الاخبار 60،
يتحول حي سيدي مومن بالدار البيضاء من فضاء مخصص للسكن الاجتماعي إلى منطقة صناعية وتجارية خارج القانون. مئات الورشات والمعامل والأنشطة تشتغل خلف أبواب موصدة أو في الفضاء العام، محولةً الحي إلى نسيج موازٍ يشتغل خارج أي رقابة.
تصميم التهيئة الخاص بمقاطعة سيدي مومن، المصادق عليه وفق القانون 12.90 المتعلق بالتعمير، يصنف المنطقة كقطاع سكني . الواقع يكشف عن تحول جذري في استعمال المجال، حيث توطنت أنشطة مخالفة تصنف كالتالي:
في الصناعة النسيجية والجلدية، تنتشر معامل الخياطة السرية المتخصصة في تفصيل الملابس والجينز، ووحدات غسل وصباغة الجينز التي تستعمل برمنغنات البوتاسيوم وتصرف مياهها الملوثة في شبكة الصرف الصحي. كما توجد ورشات لصناعة الأحذية تعتمد على مذيبات عضوية متطايرة، ومعامل لتدوير بقايا الأقمشة الشيفون.
في الصناعات المعدنية والميكانيكية، تنشط ورشات الحدادة والتلحيم السودور لصناعة الأبواب والنوافذ الحديدية، مع ضجيج متواصل وخطر الحرائق. إلى جانبها تعمل ورشات الألمنيوم لتصنيع النوافذ والمطابخ، مخلفة غباراً ناتجاً عن التقطيع. وتضاف إليها وحدات الخراطة الميكانيكية التي تسرب الزيوت المحروقة إلى المجاري، وورشات طلاء المعادن الفورنو التي تستخدم أفراناً تقليدية ودهانات تحتوي على الرصاص.
وتبرز ورشات الطولوري لإصلاح هياكل السيارات والعربات باعتماد آليات متطورة كأجهزة الماربري وآلات الصقل وغرف الطلاء بالفرن. ينتج عنها ضجيج ليلي من الطرق وآلات ضغط الهواء، وروائح خانقة من المعجون والدهانات ذات المركبات العضوية المتطايرة، وانسداد الأزقة بسبب ركن العربات المعطوبة. تخزين الصباغة والدليو والبنزين داخل بنايات سكنية يجعل الحي عرضة للحرائق، في خرق لظهير 25 غشت 1914.
وحدات الصناعات الكيماوية والبلاستيكية هي الأخطر والمصنفة ضمن الصنف الأول حسب ظهير 1914. تشمل صهر وتدوير البلاستيك الذي يطلق الديوكسين المسرطن، وتدوير البطاريات لاستخراج الرصاص، وورشات صناعة المنظفات وجافيل التقليدي، وتدوير زيوت المحركات.
في الصناعات الخشبية والورقية، تنشط ورشات النجارة مع غبار الخشب وتخزين الدليو، ومعامل صنع الباليطات، ووحدات تدوير الكرتون التي تخزن كميات قابلة للاشتعال داخل بنايات سكنية.
أما الأنشطة الغذائية غير المراقبة فتشمل مخابز وحلويات عشوائية تشتغل في أقبية سكنية دون أدنى شروط السلامة الصحية المنصوص عليها في القانون 28.07. معظم هذه المخابز تشتغل بقنينات الغاز الكبيرة داخل بنايات غير مهيأة، ما يحولها إلى قنابل موقوتة تهدد بوقوع انفجارات وكوارث داخل كتل سكنية مأهولة. هذا الوضع يخالف صراحة ظهير 1914 الذي يمنع المؤسسات الخطيرة داخل التجمعات السكنية، ويخرق قوانين الوقاية من الأخطار. ويضاف إليها معامل لتصبير الزيتون تصرف مياهها المالحة في الصرف، ووحدات لطحن التوابل، وبيع الدجاج الحي في الأزقة والمرائب حيث يتم الذبح ونتف الريش دون شروط النظافة وتصريف الدماء في المجاري، في مخالفة للقانون 28.07 وقرارات وزارة الفلاحة التي تمنع الذبح خارج المجازر المرخصة.
كما تنتشر مستودعات لافيراي التي تحرق الأسلاك لاستخراج النحاس، ومعامل الهولو، ووحدات شحن قنينات الغاز بطريقة غير قانونية.
القاسم المشترك بين هذه الوحدات هو الضجيج المتواصل الذي يقلق راحة الساكنة، والاشتغال حتى وقت متأخر من الليل دون حسيب ولا رقيب. هذا يمثل اعتداءً مباشراً على الحق في السكينة، ويضرب عرض الحائط بالقرارات الجماعية التي تحدد توقيت العمل للأنشطة المزعجة.
كل هذه الأنشطة تخرق منظومة قانونية متكاملة. غياب الموافقة البيئية يخالف القانون 12.03، والتوطين في حي سكني يتعارض مع ظهير 1914، وتغيير الاستعمال من سكني إلى صناعي أو تجاري تم دون ترخيص مخالفاً المادة 40 من القانون 12.90. القانون 66.12 منح الأعوان صلاحية الإغلاق الفوري، لكن النصوص معطلة. تشتت المسؤولية بين المقاطعة والسلطة المحلية والوكالة الحضرية والمكتب الوطني للسلامة الصحية يمنع تفعيل الفصل 154 من الدستور.
الانبعاثات السامة وتلوث المياه والضجيج الليلي وخطر انفجار الغاز تتنافى مع الفصل 31 من دستور 2011. الحل يقتضي المزاوجة بين تطبيق القانون 66.12 دون انتقائية، وإحداث مناطق للأنشطة الاقتصادية للقرب لترحيل الوحدات غير الملوثة، مع مواكبة لإدماج الوحدات الراغبة في الهيكلة عبر برامج المقاول الذاتي.
قضية سيدي مومن تكشف فشل سياسات التعمير والمراقبة. وكل هذا يجري أمام أعين السلطات التي تلتزم الصمت. فإلى متى سيستمر هذا الصمت؟ ومقابل ماذا تُباع صحة الساكنة وسكينتها وحياتها وحقها الدستوري في بيئة سليمة وغذاء آمن؟
المراجع القانونية: دستور 2011، ظهير 1914، القوانين 12.90، 12.03، 66.12، 28.07.