جريدة الأخبار 60
رغم الجهود المبذولة لمحاربة العشوائية بسيدي مومن، يكشف الواقع الميداني عن أشكال جديدة ومتطورة من الفوضى تعيد إنتاج نفسها. ولم يعد الحديث مقتصرا على “البرارك” التقليدية، بل تجاوزه إلى بنيات عشوائية عمودية وأفقية، و”عدوى ترييف” طالت النسيج الحضري وآليات التدبير. وهذا ما يفرض القيام بتشخيص دقيق لواقع “الترييف” والوقوف على مدى توفر الإرادة السياسية الحقيقية للتغيير.
والأخطر في هذا الواقع ليس فقط انتشار المخالفات، بل ترسيخ إحساس لدى “الإنسان العادي” بأنه مستباح الحق ومستباح الهدوء. فالمتضرر أصبح يسامح في حقه وقد يلتزم الصمت، ليس رضا، بل إحساسا بالعجز لأنه قام بالعديد من الشكايات بدون جدوى. في المقابل، ترسخ لدى المخالف إحساس بالامتلاك والحصانة، فيرد بـ “سير فين ما بغيتي” و “دير اللي بغيتي” باعتباره محميا. هذا الانقلاب في ميزان الحقوق هو جوهر “التطبيع” مع الفوضى.
إن ساكنة سيدي مومن لم تعد تقبل أن تظل منطقتها سجينة “اللون القهوي” الذي طبعها لعقود. ساكنة تطمح لحي يسر الناظرين، بفضاءاته الخضراء ونظافته وجماليته الحضرية. ساكنة تطالب بقطع نهائي مع منطق “السرعتين” في التنمية، وتلتحق بركب الأحياء التي تحترم كرامة الإنسان والبيئة، تجسيدا للتوجيهات الملكية السامية الرامية إلى عدالة مجالية حقيقية.
فالعشوائية بسيدي مومن اليوم لم تعد ظاهرة بسيطة، بل تحولت إلى منظومة مركبة تتجلى في عدة مظاهر. أولها “العشوائية العمودية” المتمثلة في صعود “الكاريانات” فوق أسطح العمارات عبر تشييد غرف من القصدير ومواد مهترئة، وهو ما يشكل خرقا صريحا للقانون 12.90 المتعلق بالتعمير ويهدد السلامة الإنشائية للبنايات ويشوه المشهد الحضري.
أما المظهر الثاني فيتمثل في ما يمكن تسميته بـ “لوبي الكاريطات والعساسة” واحتلال الملك العمومي. فقد أصبحت “الكاريطات” و “العساسة” حاضرة في أغلب الأحياء والأزقة كنقط احتلال دائم ومصدر ضجيج يومي. وتتجلى فيها مظاهر “ترييف” واضحة من قبيل تربية الدواجن، وتربية كلاب الحراسة التي تسبب إزعاجا وضجيجا مستمرا للساكنة ليلا، وتجميع المتلاشيات، وجمع الخبز “الكارم” لإعادة بيعه. كما سجلت حالات تثبيت كاميرات مراقبة خاصة بها. وقانونيا، فإن هذا الفعل يشكل بناء بدون رخصة بموجب القانون 12.90، وسرقة للكهرباء مباشرة طبقا للفصل 521 من القانون الجنائي، واحتلالا بدون سند وفق القانون 57.19.
وإلى جانب ذلك، تحول احتلال الأرصفة من طرف المحلات التجارية إلى سمة عامة تعيق حركة الراجلين وتكرس الفوضى. وزاد الطين بلة أن أغلب هذه المحلات لا تحترم توقيت الاشتغال المحدد قانونا، وتبقي سلعها وبضائعها خارج المحل طيلة اليوم والليل، كما تتحول بعضها ليلا إلى نقط تجمع يتسبب في ضجيج وإزعاج للساكنة، في غياب أي مراقبة فعلية، وهو ما يعد خرقا مزدوجا للمادة 100 من القانون التنظيمي 113.14 المتعلق بالجماعات ولمقتضيات الشرطة الإدارية.
كما سجلت المقاهي تراجعا خطيرا في احترام القانون، حيث تحولت أرصفة وساحات عمومية إلى فضاءات ممتدة تابعة لها عبر وضع الكراسي والطاولات والحواجز المعدنية والشمسيات. هذا التوسع غير القانوني يضيق على المارة ويكرس منطق تحويل الملك العمومي إلى ملك خاص لأصحاب المقاهي، ويطرح إشكالا بيئيا وصحيا مرتبطا بالنفايات والضجيج، في خرق صريح للقانون 57.19 المتعلق باحتلال الملك العمومي ولدفتر التحملات الخاص باستغلال الرخص.
كما امتدت العشوائية إلى ما يمكن وصفه بـ “الترييف الصناعي” عبر انتشار أنشطة صناعية وحرفية غير مرخصة داخل الأحياء السكنية تشكل مصدر ضجيج وتلوث يومي لا يطاق. ومن بينها ورشات النجارة، الحدادة، الطولوري، الخياطة، الألمنيوم، الميكانيك وغيرها من المهن التي تمارس بعيدا عن الرقابة وتهدد الصحة والسلامة العامة، في خرق لظهير 25 غشت 1914 المتعلق بالمحلات المضرة بالصحة والمقلقة للراحة.
وفي سياق متصل، لا يمكن تجاهل ملف الباعة الجائلين. فرغم أن الظاهرة تعكس هشاشة اجتماعية وبحثا عن لقمة العيش، إلا أن تحولها إلى فوضى باستعمال عربات مجرورة بالحيوانات واستعمال مفرط لمكبرات الصوت داخل الأحياء يمس بالجمالية الحضرية ويحول حياة الساكنة إلى جحيم من الضجيج، في خرق للقانون 57.19 والقانون 11.03 المتعلق بحماية البيئة. وهنا لا بد من التأكيد أن المعالجة لا يجب أن تكون أمنية فقط، بل يقتضي الأمر إيجاد حلول بديلة تحفظ كرامة هؤلاء الباعة وتصون مصدر رزقهم، عبر إحداث أسواق نموذجية منظمة ومجهزة تحتضنهم وتخول لهم البيع في ظروف من الأمن والأمان.
إن استمرار كل هذه المظاهر يعكس وجود “عقلية مطبعة” مع الفوضى لدى بعض المتدخلين في الشأن المحلي. والأخطر من ذلك هو أنه بدل تطبيق القانون وزجر المخالفة، يتم أحيانا اللجوء إلى “صيغ تحايلية” مع المخالفين. حيث يتم اقتراح حلول ترقيعية وتسويات خارج الأطر القانونية، وكأن القانون قابل للتفاوض وكأن حق المواطن المتضرر خاضع للمساومة. هذا السلوك يكرس منطق الإفلات من العقاب ويضرب هيبة الدولة في العمق.
كما أن منطق “الاستمرارية والتناوب” في التدبير، أي إعادة تدوير نفس الوجوه والسياسات رغم فشلها، قد ساهم في تثبيت الوضع القائم وتكريس الفوضى بدل معالجتها. وفي المقابل، لا يمكن إنكار وجود مسؤولين وفاعلين محليين وإداريين تتوفر فيهم الغيرة على المنطقة والرغبة في الإصلاح، إلا أنهم يصطدمون بـ “قوى مناهضة للتغيير” تستفيد من بقاء الوضع على ما هو عليه. والأخطر من ذلك هو “الإخلال بالواجب الوظيفي” و “الامتناع عن القيام بعمل من أعمال الوظيفة” من طرف بعض الأجهزة الإدارية المحلية المكلفة بإنفاذ القانون ميدانيا، رغم ثبوت علمها بهذه الخروقات. وهذا الفعل يشكل جريمة يعاقب عليها الفصل 267 من القانون الجنائي.
ويطرح هذا الواقع سؤالين جوهريين: من المسؤول عن استفحال العشوائية؟ ومن المستفيد من بقائها؟ والجواب واضح: كل من يعتاش على الفوضى، وكل من يستفيد من غياب المحاسبة.
لذلك، فإن تجاوز الأزمة يستوجب “ضخ دماء جديدة” من المسؤولين ذوي الإرادة السياسية والإدارية للقطع مع منطق “التطبيع”. وهذا لا يكتمل إلا بتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة المنصوص عليه في الفصل الأول من الدستور.
ولعل المفارقة أن الترسانة القانونية موجودة ولا حاجة لقوانين جديدة. فقانون التعمير 12.90 كاف لمواجهة البناء فوق الأسطح عبر قرارات الهدم. والفصل 521 من القانون الجنائي إلى جانب القانون 57.19 كافيان للتعامل مع “الكاريطات والعساسة” والمقاهي المخالفة عبر تحرير المحاضر والحجز والإفراغ. والقانون التنظيمي 113.14 يمنح للجماعة أداة الشرطة الإدارية لمواجهة احتلال الأرصفة وعدم احترام التوقيت والضجيج. وظهير 1914 يسمح بالإغلاق الإداري للمعامل السرية. والقانون 57.19 والقانون 11.03 يوفران إمكانية حجز العربات وزجر الضوضاء. والفصل 267 من القانون الجنائي لزجر “الإخلال بالواجب الوظيفي”.
إن سيدي مومن تحتاج اليوم لمقاربة مندمجة تقوم على ثلاث ركائز أساسية: أولها القطع مع “التطبيع” عبر التطبيق الصارم واليومي للقانون بدون انتقائية. وثانيها حل جذري وإنساني لملف الباعة الجائلين ينهي فوضى العربات ويحفظ كرامتهم عبر أسواق نموذجية منظمة. وثالثها تفعيل المحاسبة على الفترات السابقة، فلا إصلاح بدون قطع مع ثقافة الإفلات من العقاب.
ويبقى السؤال مطروحا: إلى متى سيظل المواطن بسيدي مومن رهينة بين فوضى “الترييف” التي تلتهم حقه في مدينة منظمة، و”التطبيع” بعض المسؤولين، في الوقت الذي يملك فيه القانون كل أدوات الحل؟
—