فتيحة عزيب: أخصائية نفسية إكلينيكية
في رحاب المشهد السياسي المغربي الراهن، يتجلى عزوف الشباب عن صناديق الاقتراع ظاهرة تتجاوز ظاهر اللامبالاة إلى عمق نفسي واجتماعي يستحق التأمل الرصين. فليس هذا العزوف رفضا مجردا للديمقراطية أو انسحابا سلبيا من الشأن العام، بل هو تعبير واع عن إحباط متراكم، وشعور متزايد بانعدام الجدوى، وأزمة ثقة عميقة في قدرة المؤسسات على الاستجابة لتطلعات جيل يحمل على عاتقه هموم الصحة والتعليم والسكن والمعيشة اليومية.
ويتجلى هذا العزوف في نسب مشاركة متدنية لدى الفئات الشابة، وفي مستويات ثقة لا تكاد تتجاوز الثلث تجاه الأحزاب والبرلمان والمؤسسات المنتخبة، كما كشفت استطلاعات أفروبارومتر في السنوات الأخيرة.
ومن منظور علم النفس السياسي، يتبدى تفسير هذه الظاهرة عبر مفهوم «الفعالية السياسية» الذي صاغه كامبل وزملاؤه. فهذا المفهوم يميز بين الفعالية الداخلية، المتمثلة في اعتقاد الفرد بقدرته على فهم السياسة والتأثير فيها، والفعالية الخارجية، المتمثلة في إيمانه بأن المؤسسات تستجيب لمطالبه وتحدث تغييرا حقيقيا. وحين تتآكل هذه الفعالية الخارجية، يفقد المواطن الدافع إلى المشاركة، فيتحول الامتناع عن التصويت إلى خيار عقلاني في نظره.
ويتقاطع هذا المفهوم مع نظرية «العجز المتعلم» التي أرساها مارتن سيليغمان، مفسرا كيف يؤدي التعرض المتكرر لمواقف لا يسيطر الفرد على نتائجها إلى شعور بالعجز، فيتوقف عن المحاولة حتى حين تتاح فرص جديدة. وفي السياق المغربي، يتجسد هذا العجز في تكرار التجارب السلبية: وعود انتخابية لا تترجم إلى واقع، واستمرار أزمات معيشية حادة، وغياب محاسبة حقيقية على الاختلالات.
وتكمن جذور هذا الإحباط في مطالب يومية ملموسة تشكل جوهر كرامة الشاب المغربي. ففي مجال الصحة، يعاني الشباب من ضعف البنية التحتية، ونقص الأطباء، وطول آجال الانتظار، وتردي جودة الخدمات العمومية، رغم الجهود المبذولة في تعميم التغطية الصحية.
وأما التعليم، فينظر إليه لا كرافعة للترقي الاجتماعي، بل كمجال يكرس التفاوتات الجهوية والطبقية، مع اكتظاظ الأقسام وهدر مدرسي مرتفع ومناهج لا تتلاءم دائما مع متطلبات سوق الشغل.
ويضاف إلى ذلك أزمة السكن، حيث يجد الشباب أنفسهم أمام أسعار إيجار مرتفعة تحول الاستقرار وتكوين الأسرة إلى حلم بعيد المنال، خاصة في المدن الكبرى.
ولا يقل تأثيرا ارتفاع أسعار المحروقات، الذي ينعكس مباشرة على تكاليف النقل والسلع الأساسية، فيلتهم القدرة الشرائية للأسر ويفاقم الشعور بالغلاء الخانق. وتشير معطيات متعددة إلى أن هذا الارتفاع، مدفوعا بتقلبات السوق الدولية والاضطرابات الجيوسياسية، يمس الطبقة المتوسطة والشباب على وجه الخصوص، ويحول الحياة اليومية إلى سلسلة من التكيفات القسرية.
وأما غياب المحاسبة في مجال الصفقات العمومية، فيبلغ ذروته في أزمات مرتبطة بمناسبات وطنية كعيد الأضحى، حيث تتكرر شبهات المضاربة والاحتكار والاختلالات في تدبير الدعم والأرقام المعلنة، دون أن تترجم إلى مساءلة شفافة ورادعة. يرى الشباب في هذه الوقائع دليلا حيا على أن «اللعبة محسومة»، وأن الصوت الانتخابي لن يمنع تكرار التجاوزات أو يحمي القدرة الشرائية.
وهذه المطالب ليست مجرد قائمة اقتصادية، بل هي مصدر نفسي للإحباط الوجودي والحرمان النسبي. فحين يقارن الشاب واقعه بما يراه عبر المنصات الرقمية من تجارب أخرى، أو بما ينفق على مشاريع كبرى بينما تتدهور الخدمات الأساسية، يتعمق الشعور باللامرئية وانسداد الأفق.
وتؤكد دراسات ميدانية أن أولويات الشباب المغربي تتركز على الاستقرار ومحاربة الفساد والتشغيل، أكثر من تعزيز الديمقراطية كقيمة مجردة، وأن نسبة معتبرة منهم تفكر جديا في الهجرة كمخرج أخير. وفي الوقت نفسه، لا يعني العزوف الانتخابي انسحابا كاملا من السياسة؛ فالشباب ينخرطون في نقاشات رقمية واحتجاجات ميدانية حول الصحة والتعليم والكرامة، بحثا عن قنوات يرونها أكثر أصالة وفعالية.
إن عزوف الشباب المغربي عن الانتخابات، إذن، ليس مرضا في الوعي المدني، بل عرضا لأزمة ثقة وكرامة. هو استجابة نفسية لتراكم الإحباطات المعيشية وغياب المساءلة، تجعل الصندوق الانتخابي يبدو طقسا بلا أثر.
ومن منظور علم النفس، فإن إعادة بناء الشعور بالفعالية يتطلب أكثر من حملات تحسيسية موسمية؛ إنه يحتاج إلى استجابة ملموسة لمطالب الصحة والتعليم والسكن والمعيشة، وإلى آليات محاسبة شفافة تعيد للمواطن الثقة بأن صوته قادر على إحداث فرق. عندها فقط قد يعود الشباب إلى صناديق الاقتراع، لا بدافع الواجب الشكلي، بل بدافع الأمل الحقي في التغيير.